الفوضى تعمّ العراق بعد اجتياح الموصل

الجمعة 2014/06/13
بدلة عسكرية تابعة للجيش العراقي ملقاة على الأرض

بغداد - يشكّل سقوط الموصل بأيدي المسلّحين ضربة موجعة للحكومة العراقية التي فرت قواتها من أمام هذه المجموعات تاركة وراءها أسلحتها وبدلاتها العسكرية، ويقدّم دليلا على بداية تفككّ “دولة قانون” نوري المالكي الذي بدأ يستجدي القوى الدولية للتدخّل ومساعدته.

“من أرض المعارك في الموصل شمالي العراق تنبثق صور شبيهة بمشاهد مألوفة في أفلام الأموات الأحياء. فهنا تتراكم الآليات العسكرية المحروقة في شوارع مقفرة، وعند كل مفترق طرق تتناثر أدلةٌ على معارك طاحنة أبى مقاتلوها الاستسلام.

وهناك بزّاتٌ عسكرية مبعثرة خارج مراكز الشرطة المدمرة، ومئات آلاف المدنيين يهربون خوفا على حياتهم. لقد باتت الموصل مدينة أشباحٍ لا يغامر بالخروج إلى شوارعها سوى اللصوص والكلاب المشردة”.

بهذا الوصف استهل مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تقريره عما أسماه “الحرب العراقية الثالثة”.

ويستطرد نايتس مواصلا وصفه لما يجري في العراق إثر الحديث عن خروج مدينة الموصل عن سيطرة الحكومة، “لكن هذا ليس فيلم “أموات أحياء”، بل ثاني أكبر مدينة في العراق والعاصمة السياسيــة والاقتصــادية المــزدهرة للمجتــمع العربي السني في البــلاد.

ففي غضون أيام معدودة بين 6 و9 يونيو، وقع سكان المدينة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، الذي كان منتسبا إلى تنظيم “القاعدة” وانفصل عنه في أبريل 2013.

هذا التنظيم الذي يخوض حربه الخاصة والذي أوشك بشكل خطير على تحقيق حلمه بإعادة الخلافة الإسلامية الممتدة من الساحل اللبناني المطل على البحر المتوسط حتى جبال زاغروس في إيران.

وها هي مشاهد الموصل تتكرر في عشرات المدن الشمالية الأخرى التي وقعت بأيدي عناصر “داعش” وغيرهم من المتمردين”.

وفي تقرير آخر، لخّصت وكالة الأنباء الفرنسية ما يجري في العراق قائلة “بغداد في حالة من الصدمة والترقب”. ويعيش العراق منذ يومين على وقع صدمة سقوط مدينة الموصل (350 كلم شمال بغداد) ومحافظة نينوى في أيدي مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أقوى المجموعات الجهادية المقاتلة في العراق وسوريا، بعد انسحاب الجيش منها.

وبعدما أحكم المقاتلون المتطرفون قبضتهم على مدينة الموصل عاصمة الشمال، تمكّنوا من السيطرة على مدينة تكريت (160 كلم شمال بغداد) مركز محافظة صلاح الدين وبعض النواحي الواقعة إلى جنوبها، وبلغوا منطقة الضلوعية التي تبعد نحو 90 كلم عن شمال العاصمة.

وقد دعا المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني في كلمة صوتية مقاتلي “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى مواصلة “الزحف” جنوبا نحو بغداد ومدينتي كربلاء والنجف الشيعيتين.

واعتبر باتريك كوبيرن، في “افتتاحية الاندبندنت” البريطانية أن ما يجري في العراق يشكّل “نهاية الحلم الأميركي”. وفي رأيه أن ما يجري في مدن العراق الرئيسية هو أن الحكومة تتفكك والانتفاضة ستؤدي إلى انهيار النظام الذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية.

حسن روحاني: إيران مستعدة لمحاربة العنف في العراق


انهيار الجيش


العنف والهجمات الإرهابية لم يعودا أمرا مستجدا وغريبا في عراق ما بعد الغزو الأميركي في 2003، لكن ما يجري في الموصل منذ أيام يشكّل حدثا استثنائيا، رغم أن “احتلال تنظيم “داعش” لمدينة الموصل يوم 10 /6 /2014، وهي ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث عدد السكان، لم يكن مفاجئا”، وفق تغطية صحيفة “المونيتور” الأميركية لحدث “سقوط الموصل”.

واعتبر كاتب التقرير ، مشرق عباس، أن عمليات مشابهة لتنظيم “داعش” حصلت خلال الأسابيع الماضية، كانت تشير إلى متغيرات في استراتيجياته، وإلى نيته توسيع نفوذه باستثمار الفشل الرسمي في اجتذاب السكان المحليين في المــناطق السنــية.

لكن، المفاجأة الفعلية التي صاحبت الأخبار الأولى القادمة من الموصل هي موقف الجيش العراقي.

وفي هذا السياق يوضّح مشرق عباس في تقرير “المونيتور” قائلا إن الانهيار السريع والانسحاب المرتبك للجيش العراقي من كل أنحاء الموصل، ومن ثم في عدد من مناطق كركوك وصلاح الدين، شكلا صدمة، سواء للشارع العراقي أو للسياسيين، أو حتى لكبار قادة الجيش العراقي الذين غادروا الموصل إلى أربيل ومنها عادوا إلى بغداد.

هذا المشهد برمته، يستدعي ثلاث أسئلة ضرورية، وفق عبّاس، وهي: لماذا انهار الجيش العراقي بهذه الطريقة؟ وماهي خطط تنظيم “داعش” المقبلة؟ وكيف ستتصرف السلطة الرسمية العراقية؟.

للإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية اعتمد الكاتب العراقي شهادات العديدة من الجنود والضباط العراقيين الذين انسحبوا من الموصل، وعلّق عليها قائلا إن كل الشهادات أجمعت على أن التخبط الذي يلف القرار العسكري تسبب في الانهيار، فبعض الشهادات من ضباط تتراوح رتبهم بين نقيب ورائد، أكدت تلقي الجيش أوامر انسحاب في وقت مبكر من صباح يوم 11 /6 /2014، وأن الأوامر شملت ترك الأسلحة والمعدات، فيما أكّد قائد عسكري بارز في الموصل أن ما حدث هو عصيان شامل للضباط الصغار، والمقاومة انتقلت كالعدوى إلى كل الوحدات العسكرية، ولم يكن على القادة أمام هذا الانهيار النفسي، الذي امتد في اليوم نفسه إلى مدينتي الصينية وبيجي في صلاح الدين، إلا الانسحاب.

تضم الموصل، حسب الشاهد، فرقتين عسكريتين تابعتين للجيش يصل عددهما إلى 25 ألف مقاتل ووحدات تابعة للشرطة الاتحادية يصل عددها إلى 10 آلاف مقاتل، بالإضافة إلى الشرطة المحلية التي تقدر بنحو 30 ألف عنصر شرطة.


تجييش الشيعة


منذ بدء الأحداث خرجت عشر مدن ونواح عن سلطة الحكومة في صلاح الدين، شمالي العراق، ووقعت تحت سيطرة المسلّحين الذين تقول الحكومة العراقية، بقيادة نوري المالــكي، إنــهم من تنظيم “داعش” الــجهادي.

ومن بين هذه المدن ونواحي يثرب والضلوعية والعلم والشرقاط وبيجي والصينية وتكريت والدور والمجمع السكني وسليمان بيك. وبذلك فإن جميع مدن محافظة صلاح الدين قد خرجت باستثناء أربع منها فقط هي سامراء وبلد والدجيل وطوزخورماتو، حسب المصدر ذاته.

نصف مليون شخص فروا من شمال العراق نحو المناطق الكردية

ولم تقع طوزخورماتو بيد المسلحين بسبب دخول قوات البيشمركة الكردية (جيش إقليم شمال العراق) وفرض سيطرتها عليها، بينما لا يعول الكثير من المراقبين على بلد والدجيل لأن أغلب سكانها من الطائفة الشيعية.

ولسامراء وضع خاص بسبب وجود مرقد الإمام علي الهادي الذي يمثل مكانا هاما وبارزا للشيعية وسط مدينة سنية، وللحيلولة دون دخول المسلحين وصلت إلى المدينة قوات من التدخل السريع العراقية في ساعة مبكرة من الفجر. وخارج حدود صلاح الدين تخضع مدن من محافظة نينوى (شمال) والأنبار (غرب) وأجزاء من كركوك (شمال) جميعها لسلطة مسلحين داعش.

ودعا تنظيم داعش، في بيان له، إلى “الزحف نحو بغداد وقال إن تصفية الحساب مع المالكي (رئيس الحكومة نوري المالكي) لن تكون في سامراء وبغداد وإنما في بغداد والنجف”.

والنجف هي مدينة جنوبية ذات غالبية شيعية وتضم مرقدا شيعيا آخر هاما للإمام علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين.

وعلق بعض المراقبين والمعارضين العراقيين أن الهدف من هذا التصريح هو تعبئة الأوساط الشيعية العراقية وخطوات أولى نحو تبرير أي تدخل خارجي، من أنصار الشيعة، وبالتحديد إيران، بدعوى حماية المقدّسات الشيعية.

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني، صرّح على خلفية ما يجري في العراق بأن بلاده “مستعدة لمحاربة العنف في العراق”. ويشكّك المراقبون وثوار العشائر العراقية في وجود خطة ومؤامرة بين نوري المالكي وتنظيم “داعش”.

وحسب الصحفي العراقي المختص في الشأن الأمني محمد علي فإن “سامراء لم تقتحم حتى اللحظة رغم سقوط مناطق كثيرة في يد المسلحين بسبب وجود المرقد الشيعي، وهذا ما يجعل العراق، حال اقتحام سامراء، على حافة الحرب الأهلية”.

الفلوجة نيوز: "قلنا مسبقا إنها ثورة شعبية وداعش بعبع إيراني"


إعادة الجيش


في ظل هذا الوضع يرى مشرق عبّاس أن إعادة الجيش وتدعيم حالته المعنوية يجب أن يرتبطا بعمليات إصلاح هيكلية في بنية الجيش، تبدأ ببعض القيادات الرئيسية، التي أثبتت فشلها على اكثر من مستوى، وإحداث توافق سياسي شامل لمحاربة الإرهاب، بما يضمن اجتذاب السكان المحليين في المناطق التي تسيطر عليها “داعش” والمناطق السنية عموما، ما يشمل معالجة “شجاعة” للمطالب التي تعبر عنها باستمرار القوى السنية، وهي مطالب متاحة للتنفيذ خصوصاً تلك التي تضمن إحداث حدود دنيا من التوافق السياسي والاجتماعي المفقود، ولا تطعن في جوهر العملية السياسية أو الدستور.

كما أن معالجة القطيعة على المستوى السياسي وعلى مستوى التنسيق العسكري بين الحكومة المركزية في بغداد، وبين إقليم كردستان، باتت ضرورية، فقوة “البيشمركة” الكردية، يمكن أن تكون عاملا مهما في الحرب على الإرهاب، ومن غير المفيد إهمال هذه القوات بخبراتها الكبيرة التي تفوق في كــثير من مــنافذها خــبرات الجيش العــراقي.

ويخلص عبّاس إلى أن سقوط الموصل ومدن أخرى بيد الإرهاب، سبقته مقدمات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، وأن الوصول إلى هذه النقطة المعقدة اليوم، يتطلب إجراءات بحجم الأزمة، وهي معالجات تخص إعادة رص الصف الوطني، والتخلي عن السياسات التي أثبتت فشلها سابقا والتي قادت إلى قطيعة بين الحكومة من جهة والسنة والأكراد من جهة أخرى، إضافة إلى القطيعة مع الشيعة أنفسهم.

6