الفوضى والنظام.. قواعد يتعلمها الفرد منذ طفولته

الأحد 2013/11/24
الفوضوي يعجز عن تنظيم الواقع أو التخطيط للمستقبل

القاهرة - هناك من يُتهم بالفوضى وبالتشوش الذهني وبطء الفهم، وهناك من يعتقد أن الفوضى هي مرآة لما يحدث في رأس صاحبها، وهناك أيضًا من يعتقد أن الفوضوي يعجز عن تنظيم الواقع أو التخطيط للمستقبل، أما علم النفس فيضع احتمالا بأن تكون الفوضى سمة من سمات العبقرية الكامنة.

وإن كانت الآراء قد تباينت في ذلك إلا أنها التقت في نقطة واحدة: أن الفوضى غير قابلة للعلاج، سواء وجهت بالتهديد أم الإقناع أم حتى القيام مقام الفوضوي، وترتيب حاجاته بدلا منه، إذ تذهب جميع المحاولات هباءاً أدراج الرياح.

يقول الطبيب النفساني "فرانسوا ليلور" أحد مؤلفي كتاب "قوة الانفعالات"، مقسما الفوضويين إلى ثلاثة أنواع: الأول ببساطة شديدة لا تهمه مسألة التنظيم، والثاني يجد صعوبة كبيرة في تنظيم وقته، فتجده يتأخر عن مواعيده باستمرار، ويتجاهل أولويات الجداول الزمنية، ويراكم عليه الأعمال، والثالث يريد التعبير عن أفكاره المشوشة ويلجأ لتحقيق ذلك إلى الفوضى والكلام غير المنسق. ويضيف: "في هذه الحالات الثلاث المتباينة، يعاني الشخص الفوضوي من 3 نقاط ضعف مجتمعة: فهو لا يستطيع تنظيم الواقع، أو التخطيط للمستقبل، كما أنه لا يقبل فكرة السياق، ونجده يعارض الأشخاص المهووسين بالنظام، الذين يتصرفون على النقيض منه في المجالات الثلاثة".

ولحسن الحظ، فإن مفهوم "الفوضى" لا يتضمن بالضرورة سوء التنظيم والعكس صحيح، فالشخص الذي يهمل ترتيب منزله قد يكون مساعداً منهجياً، إذن لا داعي للحكم على المستوى العملي أو الوظيفي لإنسان بالنظر إلى مكتبه الذي يضج بالفوضى.

يقول الطبيب النفساني: "الفوضى لا تعني أن صاحبها عاجز عن إرساء النظام في أمور حياته، أو التنسيق مع الآخرين، ولكنها تعني أن الترتيب يتطلب منه القيام بمجهود خاص، ويتطلب أن يكون هناك حافز خاص". وهنا تكمن نقطة ضعف الشخص الفوضوي: نقص الحافز، ذلك الحافز الذي يتوافر لدى الأشخاص المنظمين، الذين يجدون في هوس التنظيم وسيلة لتهدئة مخاوفهم وهواجسهم، وهو شيء لا يثير الحسد في نفوس الآخرين، كما أنه يجعل من صاحبه شخصا يصعب التعايش معه. فالإنسان يحكم على غيره، إذا كان منظما أو فوضويا، من خلال فكرته هو عن النظام. وفي الإطار الأسري، أو بين الأمِّ وأطفالها، تعد الفوضى مصدرا رئيسا للخلافات، التي تتوقف حدتها على درجة تحمّل كل منهم، والذي يحدث أحيانا، أن الطرف الأكثر دقة من فرط التحلِّي بالصبر يتوصل إلى دفع الآخر لإحراز تحسّن سلوكي، كأن يتخذ مثلا قراراً بالتحكُّم في نفسه، أو يعثر على حلول معقولة، فنجده مثلا يتخذ قراراً بوضع حذائه في مكان، ويلتزم بتنفيذ ذلك القرار لفترة. ولكن يجب ألا ننتظر منه إحداث تحول جذري، وعلينا بعد ذلك أن نتعلم كيفية احترام حدوده واحترام "فوضاه"؛ لأنه يكون في الغالب غير مستعد للتغيير. هذا باستثناء حالة واحدة، عندما يكون رفض التنظيم أو الامتناع عن إلقاء الأشياء الزائدة على الحاجة فيكون دليلا على الإصابة بالاكتئاب، أو إذا كانت حالات الفوضى المؤقتة نتيجة للإرهاق أو زيادة الأعباء. ماعدا ذلك، يعد الميل إلى الفوضى ميلا دائماً.

أما مصدر هذا الميل، فهو مزيج من المؤثرات المركبة والمعقدة، تبدأ بالتربية فيقول "فرانسوا ليلور": "يشكل هذا العامل مركباً هاماً من مركبات الشخصية، له جزء فطري وجزء موروث، وهو عامل لا يتبدل مع مرور الزمن". وقد توصّل العلم إلى حقيقة مفادها أن الفوضى المزمنة لا تعالج، والسبب ببساطة شديدة أن الشخص المعني لا يبدي حاجة لذلك، فالفوضى التي يتسبب فيها لا تزعجه، ولا تزعج سوى الآخرين، وإلا لكان قد التزم بالنظام.

علينا إذن أن نسترخي ونهدأ، حتى يمكننا التعايش مع فوضاه، وعلينا أن نتيقن من أن الأمل منعدم تماماً في تعديل سلوكه، فلا يمكن لأحد تحفيزه على هجر سلوكياته سوى فوضوي آخر. وهناك اتجاه في علم النفس يفترض أن الفوضوي ما هو إلا عبقري في الفيزياء، يطبق مبدأ الديناميكا الحرارية الثاني الذي ينطبق على الكون، وينصُّ على أن الفوضى التي تعمُّ مجموعة من الأشياء المعزولة "التعادل الحراري"، في تزايد مستمر، وهذا المبدأ يمنح الفوضوي كل الحقِّ في ما يقترفه؛ لأن ترتيب غرفته "مجموعة غير معزولة" يستلزم بذل كمية من الطاقة الحرارية، تؤدي حتمًا إلى زيادة الفوضى في الكون؛ فلا داعي لأن تشرع باليأس عند رؤية غرفة ابنك مقلوبة رأساً على عقب، وانظر إلى أبعد من ذلك، أليس هناك احتمال أن يكون هذا الفوضوي الصغير "فرانسيس بيكون" المستقبل، ذلك الفنان الإنكليزي الشهير، الذي عرف بفوضاه التي تجاوزت الحد؟

التنظيم قيمة يجب أن يعلمها الآخرون بكياسة ولباقة، وأن نتجنب التكرار والتردد، حتى نتفادى حدوث رد الفعل المعاكس. وكلما تكررت عبارة "رتب غرفتك"، أدرك الطفل لا شعوريا أن الالتزام بالنظام هو مبدأ قسري، يجب رفضه والامتناع عنه.. وعندما يصبح شخصاً بالغاً، فإنه يظلُّ محتفظاً، متخذ القوى للفوضى. إذن علينا أن نتلافى تماماً استخدام التنظيم كسلاح من أجل العقاب، وتنصح المحللة النفسانية "إيمانويل ريغو"، مؤلفة كتاب الفوضى، بإدخال قواعد التنظيم إلى حياة الطفل تدريجياً، بنفس إيقاع الأحداث الاستثنائية التي تقع في حياته، كامتلاكه غرفة خاصة به، أو دخوله المدرسة ويتم ذلك على عدة مراحل: عندما يبلغ عمر الطفل 3 سنوات يقوم بترتيب لعبه أو حاجاته لمجرد محاكاة الكبار، ممن يشجعونه على ذلك، ومن دون إحساس بالإكراه ومن دون حاجة للتنازع. وبعد هذا العمر يمكن أن يصبح الترتيب وسيلة للاطمئنان وتهدئة البال، بإعادة هيكلة بيئته المباشرة. وعندما يبلغ الطفل 4 سنوات: يبدأ المعارضة، وضرورة التنظيم تصبح خافية عنه تماماً.. يجب إذن أن نوضح له السبب، من دون أن ندخل معه في صراعات قوية. أما من 5 إلى 6 سنوات فهي مرحلة ينفتح فيها الطفل على العالم، وهي المرحلة المثلى لتحميل الطفل قدراً من المسؤولية.

وفي كل مرحلة عمرية يجب أن نحترم حدوده الخاصة، حيث يسمح له بتطبيق فكرته عن النظام، أما في المساحات المختلطة يجدر بالجميع احترام القواعد العامة التي يجب أن تكون واضحة بهذا الشأن، حتى تكون الحياة المشتركة أسهل وأكثر سلاسة.

ويرى الدكتور أحمد عبد العزيز أستاذ الدراسات الإنسانية أن الفوضى فلسفياً قد تعني قمة التنظيم أو الفوضى المنظمة، وتقوم هذه النظرة الفلسفية على أن هناك من يرى في حالات الفوضى الحياتية التي يعيشها بصورة مستمرة ومتكررة أنها ذاتها نوع من التنظيم. أما ما يدور في حياتنا وما يشعر به الفرد العادي أن هناك نوعا من الفوضى قد يدمر حياته فتلك الفوضى لابد أن نقاومها ونصلح منها ونغير إيقاعها لأنها فوضى لا قيمة لها فهي مدمرة ومستنفذة للجهد وطاقة الإنسان؛ ولذلك يجب أن نتماشى مع الكون لأن هذا الكون قائم على نظام دقيق من العلاقات بصورة مذهلة ومثيرة للعجب وتأمّل اختلاف الليل والنهار.. وكيف تشرق الشمس في موعد محدد ثم تغرب في موعد دقيق من خلال نظام كوني رائع؛ لذلك يجب أن نتخلص من عناصر الفوضى والإيمان الثابت بالقدرة على الابتكار من خلال النظام العلمي القائم على العلم والمنطق.

21