الفول والكافيار: مساءلة الثراء الفاحش

أشياء كثيرة، في موازين الحياة، لا يمكن للمال أن يزنها. والدولار لا يساوي دولارا دائما. أحدهما يمكن أن يكون رقما في حساب للكافيار، بينما الآخر أداة من أدوات صنع الحياة.
الأربعاء 2020/05/20
هل صارت رئاسة الولايات المتحدة للبيع؟

كم هو المبلغ الذي يحتاجه المرء ليعيش 100 عام آمنا وسعيدا، ومقتدرا؟ الغاية من هذا السؤال قد تكون، ما نفع ألف مليون دولار إذا كنت لن تأخذها معك في جميع الأحوال؟ ثم ما نفع المليارات الباقية أصلا؟

يمتلك بعض أثرياء هذا العالم عشرات المليارات. ومن المحيّر بالفعل كيف يجري توظيفها أو الاستفادة منها.

مفهوم تماما، أن مبالغ ضخمة تلد مبالغ ضخمة فوقها، حتى وأنت نائم. وهي تمنح الإنسان مقدارا كبيرا من النفوذ يستطيع، إلى حد بعيد، أن يعمل به ما يشاء. ليس كل شيء بالتأكيد، ولكن الكثير.

مايكل بلومبيرغ على سبيل المثال شعر أنه يستطيع أن يشتري رئاسة الولايات المتحدة بالمال. وفي حين يجمع المرشحون الآخرون تبرعات لتمويل حملاتهم الانتخابية، فقد تبرع لنفسه بنفسه، قائلا إنه ليس في حاجة لأحد. هو ليس في حاجة لأحد، هذا صحيح، ولكن ليس كل أحد بحاجة له أيضا. وفي النهاية لم يتمكن حتى من تخطي المراحل الأولى للترشيح. الكل قال له: هذا منصب يجب ألا يُشترى بالمال. أثرياء آخرون في الولايات المتحدة جربوا وفشلوا أيضا. باستثناء دونالد ترامب، سوى أنه فاز ليس بسبب المال، وإنما لأنه فاقع. ونجح في جعل الفجاجة والوطنية الساذجة تعملان لصالحه، وهما ما أظهره وكأنه أحرص من غيره (للمفارقة) على مصالح العمال الذين يستاؤون من توجه الشركات الأميركية إلى الصين.

يمكن للكثير من المال أن يشتري الكثير من النساء أيضا. ولكن هناك الملايين من النساء لن يمكن أن تشتري منهن قلامة أظافر. واحدة منهن سوف تكفي لكي تجعلك تفهم أن مالك كله لا يساوي عندها شروى نقير. أما النساء اللواتي يمكن شراؤهن بالمال، فهن في الواقع يشترين المال لا صاحبه.

عن النفوذ، يقول شاعر تشيلي الراحل بابلو نيرودا، في كتابه “أشهد أني قد عشت”، إنه عندما كان قنصلا لبلاده في الهند، فقد كانت هناك امرأة من أدنى الطبقات الدنيا تتكفل برفع الفضلات، فتحرش بها، فعاملته باحتقار، وقال إنه لم يعرف في حياته كلها مشاعر خزي كتلك التي شعر بها تجاه تلك المرأة المعدمة.

إذن، حتى النفوذ والمكانة المرموقة قد لا يعنيان شيئا، ولا يشكلان حماية كافية من مشاعر الخزي.

ليس مهما القول إن هناك 843 مليون إنسان يعانون من سوء التغذية، وإن نحو 25 ألف إنسان يموتون كل يوم بسبب الجوع، فهذه أقدار ربما، وأنت لست مسؤولا عنها. ليس بالضرورة. ولكن كم يمكن للملياردير أن ينفق على طعامه كل يوم. 1000 دولار مثلا؟ ذلك سوف يعني 36.5 مليون دولار في 100 عام. وكم سيارة يمكنه أن يشتري بقيمة 100 ألف دولار؟ 100 سيارة مثلا، أو واحدة كل عام، فهذه 100 مليون في 100 عام. كما يمكنه أن يشتري 25 طيارة خاصة على مدار المئة عام لتكلف نحو 500 مليون دولار. وأن يوظف لخدمته 50 شخصا، يتقاضى كل منهم 5 آلاف دولار، وكلما عطست تقدم عشرة منهم بمناديل ورقية لتمسح أنفك. فيكلفون 300 مليون دولار في 100 عام. ويمكن أن تشتري قصرا منيفا بـ50 مليون دولار. ولكن ماذا بعد كل ذلك؟ الشيخوخة هي ذاتها الشيخوخة في نهاية المطاف. والمال قد لا يمكنه شراء الصحة، والموت هو نفسه الموت. والحفرة هي ذاتها الحفرة.

نحن إنما نعيش على أوهام. والثراء الفاحش، فاحش الوهم أيضا. تأكل فولا فتشبع، وتأكل كافيارا فتجوع أكثر. إنها مفارقة من مفارقات الوهم.

المسألة ليست مسألة ما يمكن أن تشتريه أو أن تستهلكه، أو أن تتمتع به. حتى أنها ليست مسألة النهايات التي إنما يعيش الإنسان لينساها. وهي ليست مسألة زهد على أي حال. هذا موضوع آخر. الزهد صلة من نوع مختلف بالوجود. إنها مسألة الحياة نفسها. المبدأ الأول في الحياة إنما يقوم على الشراكة. نحن نتشارك الهواء نفسه. فإذا تلوث ضاع وضعنا. العيش في عالم تعيس، لا يمكنه أن يمنح السعادة لأي أحد. والفقر مؤذ حتى ولو كان بعيدا عنك. وغياب العدالة والمساواة بين البشر جارح جدا. والمظالم التي يعانيها الملايين، لا يمكنها أن تمنح حياتك الخاصة الاستقرار الذي تستحق. والعزلة لا تنجيك من الضرر في عالم موبوء بالفشل. وقد تملك مقدارا هائلا من المال، إلا أنه لن يغلق ثقب الأوزون، وقد لا يعني شيئا حيال ما تسببه الكوارث الناجمة عن التلوث البيئي. كما لا تملك أن تكنس المزبلة التي تحيط بالكرة الأرضية من مخلفات الأقمار الصناعية وبقايا الصواريخ التي تحملها إلى الفضاء الخارجي لكوكب الأرض.

الإنسان ليس كتلة احتياجات فحسب. المال قد يمكنه أن يُغلق هذا الثقب إذا توقف عند نقطة ما، ولم يبق يتسع. ولكن الإنسان كتلة مشاعر أيضا. وهذه هي كفة الميزان الأخرى. الحب والعطف والألم والفرح والانتشاء، هي خيوط صلة مع الحياة والآخرين. وهي مما لا يمكن للمال أن يعوضه أو أن يُغلق ثقوبه في النفس.

الفول طعام، يستذوقه الملايين من البشر، بأفضل مما يمكن للكافيار أن يفعل. والحب الذي تمنحه لأبنائك، لا يمكن لأي مقدار من المال أن يعادله. وهو ذاته الحب الذي يمنحه أي أب أو أم، بصرف النظر عما يملكان أو لا يملكان. والحب الذي تلقاه أغلى. والاحترام والمكانة الرفيعة ثمرتان يمكن الفوز بهما بالكثير من الوسائل غير المال. والعطاء، جوهرة من جواهر الحس الإنساني. وهي نفسها، يا سبحان الله، إذا أعطيت القليل أو الكثير، فأقلت عاثرا أو أغثت ملهوفا.

أشياء كثيرة، في موازين الحياة، لا يمكن للمال أن يزنها. والدولار لا يساوي دولارا دائما. أحدهما يمكن أن يكون رقما في حساب للكافيار، بينما الآخر أداة من أدوات صنع الحياة.

المال على أي حال، قيمة رقمية في حساب السعادة الفردي. ولكن “ما نفع المال إذا كان كل من حولك جائعًا ومريضًا” يقول باراك أوباما. وعندما تكون ثريا في مجتمع فقير، فأنت في الواقع أفقر منه، حتى تُدرك أن هناك شيئا واحدا على الأقل أهم من المال، هو ما تفعله به.

9