الفيتو الأميركي شرق الفرات يحرج أردوغان

الرئيس التركي يهدد واشنطن بإخراج الأكراد بالقوة من منبج، وقوات سوريا الديمقراطية تطرد داعش من هجين.
السبت 2018/12/15
يحاول النزول من السقف العالي الذي صعده

دمشق – أظهرت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، تراجعا من حيث حدتها حيال كيفية التعاطي مع الوضع شرق الفرات، بعد أن كان قبل يومين رفع السقف عاليا بالتلويح بشن عملية عسكرية في غضون أيام قليلة على المنطقة الواقعة تحت السيطرة الكردية.

وصرح أردوغان في خطاب في إسطنبول أنه مصمم على “تهدئة” المناطق الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردي التي يسميها بالإرهاب. وأضاف “تركيا خسرت ما يكفي من الوقت للتدخل ضد المستنقع الإرهابي في شرق الفرات. حاليا، لم يعد لدينا الصبر للانتظار حتى يوم واحد إضافي”. وتابع الرئيس التركي “مصممون على إرساء السلام والأمن في المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات بسوريا”.

وفي وقت لاحق كشفت الرئاسة التركية بأن اتصالا هاتفيا جرى بين الرئيس التركي ونظيره الأميركي تناول الوضع في الشمال السوري، وسط ترجيحات بأن دونالد ترامب أوضح لأردوغان أنه لا مجال لأي تصعيد في شرق الفرات.

ويقول مراقبون إن أردوغان في تصريحاته الأخيرة عمد إلى استخدام مفردات من قبيل “التهدئة” “وإرساء السلام”، فيما بدا أنه يريد أن يقدم الشيء ونقيضه، وقد لجأ لاعتماد الغموض والضبابية، على خلاف تصريحاته الأربعاء التي كانت مباشرتية وحاسمة.

وربط المراقبون هذا التغير بموقف الولايات المتحدة التي بدت حازمة تجاه أي تصعيد شرق الفرات، وهو ما انعكس في تصريحات لوزارة الدفاع (البنتاغون) التي شددت على لسان المتحدث باسمها شون روبرتسون، بعد ساعات قليلة من تهديدات أردوغان، على أن “إقدام أي طرف على عمل عسكري من جانب واحد في شمال شرق سوريا وبالأخص في منطقة يحتمل وجود طواقم أميركية فيها، أمر مقلق للغاية، ولا يمكن قبوله”.

Thumbnail

وأوضح روبرتسون أنه من الممكن الإبقاء على استمرار الأمن بالمناطق الحدودية، مضيفا أن “العمليات العسكرية غير المنسقة ستقوض المصالح المشتركة”.

ويرى المراقبون أن الحزم الأميركي شكل إحراجا كبيرا لأردوغان الذي بدا في تصريحاته يحاول النزول من السقف العالي الذي صعد إليه، من خلال تخفيف حدة تهديداته لاجتياح شرق الفرات، في مقابل تصعيده تجاه منبج الذي لا يعدو أن يكون وفق هؤلاء “مجرد ذر رماد على العيون”.

وقال أردوغان إنه “إذا لم يُخرج الأميركان إرهابيي (وحدات حماية الشعب) و(حزب العمال الكردستاني) من منطقة منبج، فستُخرجهم تركيا منها”.

وأشار إلى أن “الأميركيين يريدون تشتيت انتباهنا عبر حكاية منبج ويحاولون تقويض عزيمتنا”. وأضاف أنه على الرغم من أن العرب يشكلون قرابة 90 بالمئة من سكان منبج السورية؛ غير أن الإرهابيين يستولون على المنطقة.

وبيّن “وعدونا (الأميركيون) بإخراج الإرهابيين من منبج، وإرسالهم إلى شرقي الفرات؛ لكنهم لم يقوموا بذلك، وأما اليوم فنحن نقول إما أن تخرجوا الإرهابيين وإلا فنحن سندخل إلى منبج”.

الرئاسة التركية تعلن عن اتصال هاتفي جرى بين الرئيس التركي ونظيره الأميركي تناول الوضع في الشمال السوري

وكانت الولايات المتحدة وتركيا قد توصلتا في أبريل الماضي إلى خارطة طريق بشأن منبج الواقعة في محافظة حلب السورية تقضي بخروج الوحدات الكردية، وتسيير قوات أميركية تركية مشتركة لدوريات داخل المدينة.

وتأتي خارطة الطريق بعد ضغوط تركية بمهاجمة المنطقة، غداة نجاحها في اجتياح مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، في مارس الماضي، بعد ضوء أخضر روسي.

واتسم تنفيذ خارطة الطريق بالبطء حيث اقتصر بداية على القيام بدوريات غير مشتركة بين الجانبين الأميركي والتركي، مع إعلان الوحدات الكردية انسحابها، وأبدت أنقرة تململا من الأمر متهمة واشنطن مرارا بالمماطلة.

وأقدمت أنقرة في نوفمبر الماضي على تصعيد بشن ضربات على مواقع تمركز الوحدات الكردية في كل من عين العرب (كوباني) وتل أبيض، الأمر الذي دفع بقوات سوريا الديمقراطية إلى تعليق عمليتها ضد آخر جيوب تنظيم داعش في دير الزور.

وفيما بدا محاولة أميركية لتبريد الأجواء سيرت دوريات مشتركة تركية أميركية في منبج في نوفمبر الماضي، بيد أن أنقرة طالبت بالمزيد مشككة في حقيقة انسحاب الأكراد من المدينة، وأن ما يحصل عملية إلهاء متعمدة لحرف الأنظار عن الترتيبات الأميركية مع الأكراد في شرق سوريا وهو ما تعتبره تركيا الخطر الحقيقي.

وأشار أردوغان إلى أن (وحدات حماية الشعب) و(حزب العمال الكردستاني) الذين يسيطرون على ثلث أراضي سوريا بدعم أميركي ودعم من بعض الدول الأوروبية، يمارسون جميع أشكال الظلم والاضطهاد والخيانة.

ودعا الرئيس التركي العالم الإسلامي إلى ضرورة مكافحة “هذا التنظيم الإرهابي، والوقوف إلى جانب تركيا في هذا الإطار لأن هذا التنظيم يحاول أن يسلخ جزءا من سوريا ويجرده من حضارتنا وثقافتنا، وأن يكون خنجرا مزروعا في صدورنا”.

وتعتبر تركيا أن وحدات حماية الشعب الكردي هو امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يقود تمردا ضدها منذ ثمانينات القرن الماضي، وتخشى من تمكن الوحدات من تكريس وضع خاص للأكراد في شمال سوريا (فيدرالية، حكم ذاتي)، الأمر الذي تعتبره تهديدا خطيرا لأمنها القومي.

وفي المقابل ترى الولايات المتحدة أن الوحدات الكردية هي حليف موثوق، سواء لجهة الحرب ضد تنظيم داعش أو في منع إيران من السيطرة على طول الحدود العراقية السورية.

وتقود الوحدات الكردية تحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي تشكل في العام 2014، وقد نجح هذا التحالف في نزع مساحات واسعة كان يسيطر عليها تنظيم داعش في شمال سوريا وشرقها، وبات اليوم هذا التحالف على أعتاب القضاء على آخر جيوب التنظيم بسيطرته الجمعة على بلدة هجين في دير الزور.

وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن “بعد أسبوع من المعارك والقصف العنيف، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي فجر الجمعة من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من هجين، أكبر بلدات الجيب”.

Thumbnail

وإثر هجوم عنيف، دخلت قوات سوريا الديمقراطية في الـ6 من الشهر الحالي بلدة هجين لتخوض معارك ضد الجهاديين، الذين اضطروا إلى التراجع إلى مناطق شرق البلدة مستفيدين من شبكة الأنفاق التي بنوها.

ولا يزال التنظيم يسيطر على غالبية الجيب الأخير الذي يتضمن قرى عدة أبرزها السوسة والشعفة ويتحصن فيه نحو ألفي مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية، بحسب التحالف الدولي. ويرجح أن العدد الأكبر من هؤلاء هم من الأجانب والعرب.

واتهمت قوات سوريا الديمقراطية في وقت سابق تركيا بمحاولة إرباكها في الحرب التي تخوضها ضد آخر معاقل داعش في سوريا، من خلال تهديداتها باجتياح شرق الفرات. ويستبعد مراقبون أن يغامر أردوغان بالقيام بعملية عسكرية واسعة في شرق الفرات، حيث أن واشنطن لا تبدو بصدد التخلي عن الورقة الكردية التي توفر لها الغطاء لاستمرار قواتها على الأرض السورية.

ويرى هؤلاء أن أردوغان في حال قرر خوض غمار الحرب فإنها لن تكون نزهة بالنسبة له ولقواته، حيث أن الخبرة التي راكمها المقاتلون الأكراد خلال سنوات الحرب لا تجعل منهم فريسة سهلة، وقد تواجه تركيا حرب استنزاف شرسة، رغم أنها تراهن على تصدر الفصائل السورية الموالية لها، الجبهة.

ويشير المراقبون إلى أن الطرفين المستفيدين في حال غامر أردوغان بخوض هذه الحرب هما روسيا وإيران، اللتان من صالحهما انهيار العلاقات التركية الأميركية.

وقالت أحزاب كردية سورية الجمعة إن التهديدات التركية بمهاجمة شمال سوريا تصل إلى حد إعلان حرب ودعت القوى الدولية لمنع الهجوم على المنطقة.

وينحو كثيرون إلى القول إن تركيا لن تتجرأ على الحرب، في ظل فيتو أميركي، لأنها تعلم أن التكلفة ستكون باهظة. ويرى هؤلاء أن تصريحات أردوغان الأربعاء لم تكن سوى جس نبض واشنطن، وقد وصل الرد سريعا.

2