الفيدرالية خطوة نحو الانفصال التدريجي وإعادة تشطير اليمن

الأحد 2013/10/06
الحديث عن الفيدرالية مجرد عبث وخلط أوراق في ظل هذه الأوضاع المزرية

لا يخفي الكثير من السياسيين والمثقفين اليمنيين توجساتهم مما يدور في مؤتمر الحوار الوطني وما يعتمل في المشهد السياسي اليمني عموما من صراعات يعتقدون أنها ربما تتسبب في إعادة تشطير اليمن مرة أخرى.

عبدالوهاب الروحاني، عضو مجلس الشورى اليمني ورئيس مركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية، أحد أبرز المتخوفين على مصير اليمن الموحد الذي أعلن عنه في الثاني والعشرين من مايو في العام 1990، وهو يعتقد في حديث أدلى به لـ"العرب" أن مستقبل الوحدة اليمنية في ضوء ما يتسرب عن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني بات على المحك حيث يعبر عن ذلك بالقول: "هناك مخاوف كبيرة جدا على مستقبل الوحدة، والمؤشرات الأولية لنتائج مؤتمر الحوار لا تنبئ بخير فهناك توجه نحو الانفصال التدريجي، عبر مسميات وصيغ مختلفة لشكل النظام السياسي للدولة الذي يتوقع تمريره بدفع كبير من قوى خارجية، وتجاوب من قوى داخلية تعتقد أن مصلحتها لا تكمن في الوحدة وإنما في تقسيم اليمن وتشظيها إلى أقاليم ثم "مشيخات" وسلطنات ثم دويلات صغيرة متناحرة، وهو ما سيعود باليمن إلى الوراء مسافات طويلة".

وعن أسباب خشيته من النظام الفيدرالي كخيار أمثل للهروب من خطر الانفصال يضيف الروحاني: "الأنظمة الفيدرالية تقوم عادة في البلدان التي توجد بها دول مركزية قوية، تتمتع مؤسساتها الدفاعية والأمنية بكفاءة عالية في حماية مواطنيها وأمنها القومي، ويتمتع أبناؤها بوعي كاف بالحقوق السياسية والمدنية، وهو ما يمكن القياس عليه في ألمانيا وروسيا (مثلا)، أما في بلادنا فالوضع يختلف تماما فالدولة تكاد تكون غير موجودة، وبالتالي فأجهزتها القائمة غير مؤهلة لمهامها، وغير قادرة على حماية مواطنيها فضلا عن حماية أمنها القومي وسيادتها الوطنية، علاوة على أن نسبة الأمية في البلاد تزيد على 70 بالمئة، وأكثر من 13 مليونا من المواطنين مشغولون بالبحث عن لقمة العيش، وبحاجة إلى مساعدات إنسانية، كما صرح بذلك الممثل الأممي جمال بن عمر، ما يعني أن الحديث عن الفيدرالية هو مجرد عبث وخلط أوراق في ظل هذه الأوضاع المزرية".

ويرفض الروحاني ما يقال عن أن الفيدرالية تعد هروبا من خطر الانفصال، بل يعتقد أنها هروب من خطر أصغر إلى خطر أكبر، حيث يقول: "خطر ضعف إدارة الدولة في ظل الوحدة لا يمكن معالجته بالهروب من "التوحد" إلى التجزئة وتقسيم البلاد بالفيدرالية إلى إقليمين أو عدة أقاليم، ذلك هو الخطر الأكبر الذي سيقود إلى المطالبة باستفتاءات تقرير المصير لكل إقليم على حدة، ولا أستبعد في ظل تمرير صيغة النظام الفيدرالي – الذي روج له مؤتمر الحوار- أن يأتي الوقت الذي تطالب فيه الأقاليم بالاستفتاء على الانفصال، فإقليم "حضرموت والمهرة" (مثلا) عانى كثيراً من دولة المركز في عدن في ظل حكم الحزب الاشتراكي، وبالتالي سيكون من حقه المطالبة بتقرير المصير، وهو الحال نفسه بالنسبة لأقاليم تهامة والمنطقة الغربية، والوسطى، وصعدة، التي عانت هي الأخرى من حكم المركز في صنعاء.. وهكذا. إلى جانب ما سيلحق هذا التفتت من تأجيج وإثارة للنزعات المذهبية والقبلية الجهوية التي ستلعب هي الأخرى دورا في تغذية الصراعات وتوسيع رقعة التقسيم".

ويفسر الروحاني موقف الكثير من القوى السياسية في اليمن من قضية عدم استمرار الوحدة اليمنية في شكلها السابق بالقول: "الوحدة هي في وجدان كل اليمنيين وضميرهم، وهذا ليس مزايدة ولا كلاما رومانسيا عن الوحدة وإنما هي الحقيقة التي يعيشها اليمنيون برغم الحملة الدعائية التي شهدتها وتشهدها المرحلة الحالية ضد الوحدة، وأعتقد أن أنسب وضع للوحدة هو أن تظل بصيغتها البسيطة، أي "الاندماجية" القائمة، لأن المشكلة ليست في الوحدة نفسها وإنما هي في أسلوب إدارتها.

أما حال القوى السياسية تجاه الوحدة فأظن أن جزءا كبيرا منها لا يزال صامتاً، وهي خارج المشهد كما هي خارج الحوار، ولا تزال تراقب من موقع المتفرج الخائف على مصير الوحدة في ضوء التهافت المخل وغير الواعي من قبل القوى والأحزاب المسيطرة على المشهد القائم".

وعن رؤيته لحل القضية الجنوبية كرئيس لمركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية يقول عبدالوهاب الروحاني: "اللامركزية المالية والإدارية هي الحل للقضية الجنوبية وللقضية اليمنية عموما، لأن المشكلة التي ولدت كل هذه المشاكل هي في سيطرة المركز على السلطات المحلية، وإخضاعها لتوجيهاتها في كل صغيرة وكبيرة.. الأمر الذي تراكمت معه المشاكل، وأغفلت معه الأنظمة والقوانين، فوجد تنازع على السلطة بين مسؤولي المركز والفروع، وولدت حالة من الفوضى والفساد في ظل غياب مرجعية قانونية ملزمة.. ومن هنا، نرى أن الحل يمكن أن يتحقق بمنح صلاحيات الأقاليم – الذي يراد تمريره عبر النظام الفيدرالي – للسلطة المحلية في كل محافظة على حدة، بحيث ينشأ حكم محلي كامل الصلاحيات، يخضع لرقابة وقضاء وضبطية قضائية محلية لا يتدخل فيه المركز إلا في حالة التجاوزات التي تهدد الأمن والسكينة العامة، وتهدد بنسف النظام والقانون ووفقا لنظام دقيق يحدد العلاقة بين السلطتين، المركزية والمحلية". ويعتبر الروحاني أن القضية الجنوبية في جوهرها هي قضية مطلبيه حقوقية وليست سياسية، وأن "هناك مبالغات وتزييف في كثير من الحقائق والأرقام، وتزييف حتى في رأي أبناء الجنوب تجاه الوحدة ".

غير أنه لا ينكر أن الجنوب عانى من "نهب منظم للأراضي وللحقوق والممتلكات العامة والخاصة بعد حرب صيف 1994، وتدمير المؤسسات العامة التي تعرضت للخصخصة بمبرر ودون مبرر، وكان ذلك على حساب الآلاف من الموظفين والعمال الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع دون معالجات"، لكن تلك" الاشكالية -حسب الدكتور الروحاني- ليست بفعل "الوحدة" وإنما هي بفعل إدارتها الخاطئة.. وهي الممارسات الخاطئة التي ولدت حالة من الشعور بالغمط لدى قطاع واسع من العمال والموظفين والقادة العسكريين المبعدين".

وبدأت أعمال مؤتمر الحوار الوطني بين مختلف القوى السياسية في اليمن في 18 مارس- آذار الماضي بمشاركة 565 ممثلا عن تلك القوى بهدف التوصل إلى حل لشكل الدولة المقبلة والاستفتاء على دستور جديد في البلاد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في فبراير المقبل .

وتعارض بعض القوى السياسية اليمنية إقامة دولة مكونة من إقليمين شمالي وجنوبي معتبرة أن ذلك لو حدث فهو بداية لإعلان الانفصال بين الشطرين اللذين توحدا في مايو- أيار 1990 ،وتنادي بإقامة دولة اتحادية من عدة أقاليم تكون العاصمة صنعاء مركزها.

3