الفيدرالية هي الحل لتغيير النظام في إيران

الأكراد في إيران هم فصل آخر من فصول اضطهاد النظام القائم للقوميات والشعوب التي تشكل الكل الإيراني اليوم، رغم أن وجود تلك القوميات يعدّ جزءا أصيلا من المكون التاريخي للمنطقة. وتظهر تصريحات المحللين والنشطاء مدى اقتراب النظام الإيراني من الشكل الفاشي في التعامل مع أكراد إيران، إضافة إلى أسلوبه الطائفي في زعزعة استقرار المنطقة.
الثلاثاء 2016/08/02
الشعوب الإيرانية تصرخ في وجه الفاشية

تتكون إيران من مكونات عرقية ودينية عديدة من المفترض أن تغني المجتمع، ولكن النظام الحالي القائم على المرجعية الدينية والعنصرية العرقية حوّل هذا التنوع إلى مشكلة اضطهاد واستبداد ممنهج.

فقد طالب المكون الكردي بحقوقه الأساسية في إيران عبر كل السبل، فسعى من البداية إلى طرح فكرة الفيدرالية كنموذج للحكم بعيدا عن فاشية المنظومة الدينية من جهة وتشدد الفارسيين القوميين من جهة أخرى. بينما قابلت منظومة الحكم في إيران هذا التوجه بالنار والحديد، مما دفع الأحزاب الكردية إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن مطالبهم المجتمعية والسياسية والاقتصادية.

حمل الأكراد السلاح واشتبكوا مع مليشيات الحرس الثوري التابعة للمرشد الأعلى الحاكم الأول والأخير، لم يكن هذا التوجه العسكري للأكراد ليحصل لولا أن النظام الإيراني رفض تبني قيم الديمقراطية واحترام كل مكوناته الدينية والعرقية، الأكراد يرون أن الديمقراطية الحقيقية ليست مجرد انتخاب بين الفارسيين فقط وإهمال باقي المكونات الإيرانية الأخرى من أكراد وأحوازيين وبلوشيين وأذريين.

ويرى رئيس الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني (بي دي كا آي) مصطفى هجري أن الثورة الإيرانية بدل من أن تتجه نحو إقامة نظام ديمقراطي لكل الإيرانيين توجهت نحو الجانب الديني الطائفي والفارسي الإقصائي لباقي المكونات منذ 1979.

ويعتبر مصطفى هجري أن حزبه فقد الأمل من النظام الحالي مما اضطر في بعض الأحيان للاشتباك مع القوات الإيرانية وقتل عدد منهم في الأشهر الأخيرة كوسيلة للدفاع عن النفس والحقوق.

ويقول هجري إنه “في عام 2015، قررنا أن نرسل قواتنا الكردية (بيشمركة) لمواجهة قوات نظام الملالي بعد تأكدنا من أن النظام الإيراني لن يحل القضية الكردية”.

ويقول سوران خدري باحث وناشط سياسي كردي لـ”العرب” موضحا “لذا نرى بأن الأحزاب الكردية رغم تأكيدها على إيجاد حل سياسي وسلمي للقضية الكردية في شرق كردستان، من وقت لآخر اضطرت لاستخدام قوة عسكرية دفاعا عن الشعب الكردي، وكذلك حفاظا على مقومات نسيج الشعب الكردي الذي يسعى النظام الإيراني إلى تفكيكها بكل الوسائل السياسية، الاقتصادية والعسكرية التي في حوزته”.

ويضيف خدري “الأحزاب الرئيسية الكردية في أواخر التسعينات من القرن الماضي علقت جميع أنشطتها العسكرية بهدف إيجاد حل سياسي، وإقناع النظام الإيراني بالجلوس على طاولة حوار. ولكن قرار الأحزاب بإيقاف أنشطتها العسكرية وفر للنظام الإيراني بيئة سياسية داخل إيران لتحقيق بعض أهدافها وضرب مقومات نسيج الشعب الكردي”.

جميع الأحزاب السياسية الكردية تسعى إلى تحقيق حق تقرير المصير للشعب الكردي في شرق كردستان، أي الجزء المحتل من قبل النظام الإيراني

وحسب مصادر داخل “بي دي كا آي”، عادت القوات الكردية إلى إيران في توقيت حرج، وتقول المصادر الكردية “دخلت قواتنا الأراضي الإيرانية ذات المكون الكردي خلال انشغال النظام الإيراني في مفاوضاته مع الغرب بخصوص الاتفاق النووي، فكانت لدينا قناعة بأن إيران التي دخلت المفاوضات كانت تحاول أن تظهر نفسها متماسكة أمام الغرب كي تحصل على صفقة رابحة، لذلك لم تجرؤ إيران على الاشتباك مع قواتنا في تلك المرحلة لأنها لا تريد أن تكشف حجم الضعف في جيشها وانخفاض المعنويات لدى قواتها”. وفسرت نفس المصادر عودة القوات الكردية إلى المناطق الكردية في إيران بهدف منع السلطات الإيرانية من استمرار انتهاك حقوق الأكراد.

تعتبر إيران الحزب الكردي (بي دي كا آي) منظمة محظورة وتطارد أعضاءه السياسيين قبل العسكريين، فقد قامت قوات خاصة في الحرس الثوري بعمليات متابعة واغتيال لقيادات في الحزب في عدة دول أوروبية مثل النمسا وألمانيا في بداية التسعينات.

ويقول سوران خدري “إن جميع الأحزاب السياسية الكردية تسعى إلى تحقيق حق تقرير المصير للشعب الكردي في شرق كردستان، أي الجزء المحتل من قبل النظام الإيراني. هناك بعض الأحزاب القومية الكردية تطالب بحق تقرير المصير في سياق دولة مستقلة كردية ذات سيادة تامة. وبعض الأحزاب الأخرى، خاصة الأحزاب السياسية الرئيسية تسعى إلى الحصول على مطالب الشعب الكردي في سياق النظام الفيدرالي أو النظام الكنفيدرالي، أي هناك مقاربات متنوعة للحل في إيران وفق رؤية الأحزاب الكردية في سياق حل القضية الكردية في شرق كردستان المحتل من قبل النظام الإيراني”.

وترى كل قيادات الحزب الكردي أن النظام الإيراني عدو لشعبه وللمنطقة، فقد قال قيادي في الحزب “إن نظام المرشد الأعلى مصدر لعدم الاستقرار في المنطقة، يدعم مليشيات إرهابية مثل حزب الله وحماس ونظام الأسد غير الشرعي، ويمول ويدرب قوات طائفية مثل الحشد الشعبي في العراق”.

ويقول القيادي “على دول المنطقة التي تعاني من أزمات ممولة ومنظمة من إيران، أن تلعب دورا مباشرا في ردع إيران، عليها أن تدعم المعارضة الإيرانية بكل أنواعها بغض النظر عن دينها أو عرقها طالما أنها تريد إقامة نظام ديمقراطي فيدرالي يحترم شعبه ويحترم حسن الجوار”.

ويعتبر الباحث الكردي سوران خدري أن التدخل من قبل الدولة الإيرانية في شؤون المجتمعات ودول الجوار أصبح أحد أهم ركائز الأيدولوجية الفارسية تحت غطاء المذهبية. على الرغم من تغير طبيعة وهيكلة الأنظمة الحاكمة والمتتالية في إيران على مدى العشرات من السنين، سواء كانت دولة مذهبية طائفية أو عنصرية قومية، إلا أن سياسة التدخل لم تتغير. هذا النظام الإيراني منذ نشوئه سعى بكل ما في وسعه إلى خلق مشكلات، وإيجاد وزرع الفتنة بين مجتمعات المنطقة؛ الأكراد، العرب والأتراك.

سوران خدري: التدخل الإيراني في شؤون دول الجوار أصبح أحد أهم ركائز الأيديولوجية الفارسية

ويقدر عدد الأكراد في إيران بين 6 و9 ملايين شخص، ويمثلون حوالي 9 بالمئة من مجموع عدد السكان في إيران، لا يحصلون على أغلب الحقوق التي تقتصر على المواطن الإيراني الفارسي.

دعت الأحزاب الكردية كل المواطنين الاكراد الايرانيين لمقاطعة الانتخابات العامة في ايران لكونها انتخابات غير شرعية، اذ تشعر قيادات الاحزاب الكردية بحالة من اليأس من امكانية تطوير النظام الايراني الحالي، فقد بقيت القوات الكردية بعيدة عن الاشتباكات مع الجيش الايراني او قوات الحرس الثوري لمدة 20 عاما تقريبا، كذلك بقي المكون الكردي اجتماعيا وسياسيا مقموعا ينتظر أي مبادرة تؤدي إلى تحسين او اصلاح جذري لنظام الحكم الايراني. ولكن بعد ان وصلت قناعة قيادات الاكراد إلى أنه على شعبهم ان يأخذ حقه بيده وان يدافع عن حقوقه الاساسية، بدأت الحركة المسلحة لهذه الاحزاب الكردية تتوسع.

وعندما بدأت المفاوضات بين ايران والدول الكبرى، دعت الاحزاب الكردية الغرب إلى الأخذ بعين الاعتبار الديمقراطية وحقوق الانسان في ايران كي تكون نقاطا اساسية في الاتفاق النووي. يشعر الاكراد بازدواجية لدى الدول الكبرى التي تطالب الكثير من الدول باحترام حقوق الانسان وفي نهاية المطاف عقدوا صفقة مع النظام الايراني بخصوص الاتفاق النووي بعيدا عن كل قيم الغرب المتمثلة في حقوق الانسان.

وأشارت قيادات كردية ايرانية في تصريحات لها بشعورها بالاستياء من الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي بإهمالهم لملف حقوق الانسان والتجاوزات التي يرتكبها النظام الايراني ضد شعبه وتركيزهم على الملف النووي فقط.

وفي اكثر من مناسبة، اكد الزعيم الكردي هجري “ان مطالبنا متواضعة وليست امرا غير اعتيادي (…) نريد دولة فيدرالية تحترم كل المكونات الايرانية وتعطيهم حقوقهم بطريقة ديمقراطية تمكن كل مكون ان يضع ممثلا له في الحكومة المركزية، لا ان يعينهم المرشد الأعلى او حكومة تتكون مع عرق واحد او مكون واحد”.

فقد تم تشكيل منظمة تمثل العديد من المكونات الايرانية تحت اسم “مؤتمر القوميات من أجل ايران فيدرالية” يتكون من عرب واكراد وأذريين وبلوشيين وتركمان وغيرهم من المكونات التي تطالب بحقوقها الاساسية داخل إيران.

ويرى هجري أن أميركا تحركت في العراق بحجة الديمقراطية ولم تكترث للديمقراطية في ايران وحقوق الانسان، ويقول “أميركا فقدت المصداقية لدى أصدقائها في المنطقة لفشلها في معالجة أي ملف له علاقة بإيران، فلقد تركت الحرب في سوريا تتفاقم وهي ترى التورط الايراني هناك عبر إرسال إرهابيين وطائفيين من مليشيات تابعة للحرس الثوري”.

ويعتبر سوران خدري ان تدخلات ايران بالمنطقة لن ينتهي اذا لم يتم حل المشكلات داخل ايران بين مختلف الاعراق مما يتطلب اقامة نظام فيدرالي يحترم التعددية الداخلية لمكونات الشعب الايراني ويحترم حسن الجوار.

ويدعو محللون أكراد من أصول إيرانية إلى ضرورة أن تلعب الدول العربية دورا داعما للاطراف الكردية والعربية والأذرية التي تسعى إلى اعادة هيكلة الدول الإيرانية.

ويقول خدري أنه يجب ان نعلم بأن النظام الإيراني عدو مشترك. فأي مساعدة من قبل الدول العربية في هذا المجال سيخدم مصالح الطرفين وكذلك يسهل إضعاف النظام الإيراني الحالي من أجل اقامة نظام حكم ديمقراطي صديق للجميع.

ويضيف خدري “أكيد الشعب الكردي والأحزاب السياسية الكردية في شرق كردستان يحتاجون إلى مساعدة سياسية ومالية وعسكرية ويتطلعون إلى دور الدول العربية في ذلك”.

وتدعو قيادات إيرانية معارضة الدول العربية إلى لعب دور أكبر في التنسيق بين كل اطراف المعارضة الإيرانية التي تعاني التفرّق في ما بينها.

إعلامي سوري

7