الفيديوهات البذيئة على يوتيوب لا تصنع ثورة في مصر

انحدار الخطاب اللفظي أسقط مبكرا فيديوهات الناشط وائل غنيم الذي اعتبره الكثيرون "أيقونة" ثورة يناير.
الخميس 2019/09/19
خطاب لا يستهوي العقلاء

لم تنجح مقاطع الفيديو التي انتشرت مؤخرا على يوتيوب لشخصيات مصرية معارضة، في إحداث تأثير سياسي على الجمهور، بسبب انحدار مستوى خطابها إلى ما دون لغة الشارع أولا، ثم استغلال المنصات الإخوانية لها وتضخيمها ثانيا، وهو ما ارتد عليها سلبا.

 أحدثت الفيديوهات التي بثتها شخصيات مصرية “معارضة” من خارج البلاد في بدايتها ردود فعل كبيرة متجاوبة معها. وحركت لأول مرة منذ فترة طويلة المياه السياسية، إلى الدرجة التي ضخمها البعض من المتابعين وتصوروا أنها مقدمة لثورة شعبية جديدة في مصر، لأن التفاعل معها بدا لافتا، وسط حالة من التراخي من قبل الحكومة ومؤيديها.

استغل أصحاب الفيديوهات ومن وقفوا خلفهم مساحة واسعة من الفراغ في المجال العام، وشغلوها بمواد تجمع بين السياسة والاقتصاد وفنون الإعلام، واضعين أمامهم هدفا واحدا وهو خلخلة النظام المصري من خلال استهداف المؤسسة العسكرية، عبر نشر روايات وأكاذيب كثيرة، كانت مسلية وجذابة لمتابعيها.

منحت هذه الخطوة المعارضة الميتة أملا في التمهيد لثورة شعبية جديدة، مستفيدة من الدور المحوري الذي تقوم به الجماهير بالاستعانة بمواقع التواصل في كل من السودان والجزائر وتونس للحفاظ على مكتسباتها في الحرية والإصلاح السياسي.

تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دورا مهما في أي حراك ثوري في العالم، ولذلك تتجه إليها أنظار الحكومات فورا لتقويضها أو الحد من التفاعل الشعبي معها. ومع أن هذا الدور كان في بدايته عندما قامت ثورة 25 يناير 2011 في مصر، غير أنه ساهم في حشد الناس ونزولهم إلى الشوارع والميادين، وفجروا ثورة عندما توافرت لها سبل موضوعية للتأثير في الرأي العام، والضغط على حزب “الكنبة” والصامتين للتخلي عن عزوفهم.

ما كان ذلك ليحدث إلا في ظل محددات مهمة، أبرزها الغضب الشديد من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، واتساع نطاق المطالبة الشعبية بعزله ومعه شريحة واسعة من القيادات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والنقمة على الجميع، بسبب التصورات والإجراءات الرديئة التي أفضت إلى كوارث اجتماعية.

كما أن الحراك السابق تمدد وتوغل في وجدان الناس، عندما كانت هناك معارضة قوية في الشارع ومن أطياف مختلفة، ووسائل إعلام تمارس دورها بقدر كبير من الحرية، وحتى لو كان هناك غضب من النتائج التي أدّت إليها الإصلاحات الاقتصادية حاليا، فالناس لا يزالون يتشبثون بالأمل في جني ثمار من وراء المشاريع القومية المتعددة.

ووقع أصحاب الفيديوهات المتزامنة، مثل رجل الأعمال والفنان المصري المغمور محمد علي، في أخطاء قاتلة أفقدت الفيديوهات مفعول السحر الإعلامي الجديد الذي لازمها في البداية، وجعلها تصل إلى الملايين من الناس خلال ساعات قليلة، لأن صاحبها انحرف عن هدفه الأساسي، وفضح ما أسماه “تجاوزات وقعت في الهيئة الهندسية” التابعة للقوات المسلحة، وبدلا من المطالبة بحقوقه المادية المهضومة ارتدى ثوب الزعيم السياسي الذي لم يرتده من قبل، عندما كان منهمكا في موالاة الحكومة من خلال استثمارات حصد منها أرباحا كثيرة.

وساهم تركيز الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي وفضائيات تابعة لجماعة الإخوان والافتتان بها، في وضع محمد علي في دور البطل الذي أخفق في الحصول عليه فنيا، لكن التمادي في تكرار الفيديوهات على نمطية واحدة أوقعه في مأزق.

ترك الرجل قضيته المادية الأساسية التي لفتت الانتباه وجذبت إليه التعاطف، وتطرق إلى شخصيات سياسية وإعلامية عديدة، فكال لها النقد والانتقاد، واستخدم في خطاباته المتواترة قاموسا عريضا من الشتائم والبذاءات لا تستهوي فئات كثيرة في مصر.

وهو السبب الذي أسقط مبكرا فيديوهات الناشط وائل غنيم الذي اعتبره الكثيرون “أيقونة” ثورة يناير، حيث تقمص الشاب شخصية “غاندي” في تقشفه، أو شخصية “الصايع والفهلوي” المصري الشهيرة في الحواري والتي ظهرت في بعض الأفلام، بما لا يتناسب مع تركيبته الاجتماعية والاقتصادية.

وبدت كلماته وألفاظه بذيئة، ما قلل من نسب التفاعل معه مبكرا، وخاض معركة جانبية إلى جانب الفنان المغمور محمد علي، الأمر الذي أثر سلبا على الطرفين وحرفهما عن مسارهما السياسي المنشود، وحرف معه الكثير ممن كانوا ينتظرون الفيديوهات والتجاوب معها، وجعلهم ينتظرونها للتسلية فقط.

تراجع التأثير أيضا، بسبب منح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السبت، جرعة من الصراحة حول الفيديوهات أمام ملتقى الشباب، ومنح إشارة البدء في المواجهة الإعلامية، والتي ظهرت على خجل من جانب عدد قليل من مؤيديه أساءوا إليه أكثر مما أفادوه، لأن قطاعا كبيرا من المشاهدين لا يتقبلون هؤلاء، كما أن ردودهم انطوت على خطاب إنشائي دعائي خال من المضمون المحكم والرشيد الذي يتناسب مع قوة وجزالة الخطاب المقابل.

توارى التأثير السياسي لخطاب محمد علي الإعلامي، لأنه تحول إلى سلسلة من الحلقات المملة، وقلدته أسماء كثيرة تحيط ببعضها شبهات أخلاقية، وأصبحت الفيديوهات تشبه “موضة” هذا الموسم في الهجوم على مصر، لأن الإخوان قفزوا عليها، وأمعنوا في استثمارها سياسيا وليّ أعناق بعضها، بطريقة فتحت الباب لتوقعات غير محمودة العواقب.

في إحدى الحلقات التي قدمها محمد ناصر (15 سبتمبر الجاري) عبر السكايب، على قناة “مكملين” التابعة لجماعة الإخوان، وتبث إرسالها من تركيا، استضاف الأديب مسعد أبوفجر، وهو ينتمي إلى إحدى قبائل سيناء، وكان المذيع متعسفا في تأويل خطاب أبوفجر، الذي تحدث عن تجاوزات للجيش في تعامله مع الإرهابيين في سيناء، لكن ناصر أصر على إلصاقها بالرئيس السيسي وحده، وألح على استنطاق الضيف، الأمر الذي أفقده الحياد الذي كان ينشده، وأثر سلبا على الدور السياسي الذي أراد القيام به، هو وغيره من خلال القنوات التي تتبنى خطاب الإخوان في كل من تركيا وقطر.

أضف إلى ذلك، الحياة التي دبت فجأة في مؤيدي النظام المصري، بعد فترة من التردد والشك، وبدأ هؤلاء ينشطون على مواقع التواصل بشكل واضح، بما أرخى بظلال سلبية على فيديوهات المعارضين، فلم تعد تتسرب وحدها إلى الشارع، كما كانت من قبل.

وأفضى التوازن النسبي في الوسائل والأدوات واللجان الإلكترونية النشيطة على الجانبين، إلى تحويل المعركة السياسية إلى فاصل من الصخب وتعويم القضية الرئيسية، ربما يكون مؤيدو الحكومة المصرية قد سدوا مساحة في الفراغ الذي استغلته المعارضة.

بيد أن مضمون الخطاب اعتمد الهجوم على الخصوم وتشويه صورتهم أكثر من عرض الحقائق وتفنيد الشائعات، في محاولة لضبط التوازن في الفيديوهات البذيئة، وربطوا بينها وبين استهدافات عديدة تتعرض لها مصر لتخريبها، في محاولة ترمي إلى استعادة خطاب مكافحة الإرهاب والدول التي تدعم وتؤيد الجماعات المتطرفة.

تعرية فيديوهات وخطاب الكراهية الذي تبناه محمد علي وغنيم وأبوفجر وناصر وغيرهم، والتركيز على تصرفاتهم الشخصية والعزف على وتر استهداف أركان الدولة المصرية، عوامل كبدت الفريق الأول خسائر فادحة أمام الجمهور الذي كان يتلقف الفيديوهات ويتابع البرامج، وشغف بهما لعدة أيام، لأنها مسّت وترا حساسا، كان ينتظر من ينكأه لينفجر، في ظل فراغ سياسي عجزت الأحزاب والشخصيات الحزبية عن سدّ فجواته.

18