الفيديو كليب بلاء لا يمكن رده

الخميس 2014/06/12
الفضائيات تنشر ثقافة الكلمات الهابطة والاستعراض بالجسد

القاهرة- طغت في الفترة الأخيرة سيول عارمة من الأغاني الهابطة والمبتذلة على كثير من شاشات الفضائيات العربية، والتي تستحوذ على عقول المراهقين والشباب بما تقدمه من أنماط غريبة ومبتذلة، ضاربة الرسالة الإعلامية الهادفة عرض الحائط منتهزة الأبواق التي تصرخ كل يوم بحرية الإبداع والآراء وعدم تكميم الأفواه حتى لو أدت هذه الأغاني إلى هدم قيم المجتمع.

اليوم باتت ثقافة “الفيديو كليب” نمط تفكير وأسلوب حياة يتبناه جيل بأكمله وجد في نجومه وأبطاله نماذج يقلدونها. وفي المقابل يجتاح القلق والرفض الآباء من هذا السلوك الغريب من أبنائهم.

تقول هبة صلاح، طالبة بالصف الثالث الثانوي: أغاني “الفيديو كليب” بشكلها وموسيقاها هي نفسها طريقة تفكير وسلوك جيلنا، فالملابس التي ترتديها نجماتنا المفضلات في الأغاني المصورة هي نفس الملابس التي نرتديها، والمحال التجارية التي تبيع ملابس تلك النجمات هي نفسها المحال التي نتسوق منها، فهذا هو الواقع الحقيقي لجيلنا الذي يختلف بالطبع عن أجيال من سبقونا الذين يتهموننا بالابتذال ونحن نراه عكس ذلك.

وعن تأثرها شخصيا بالأغاني المصورة تقول: إذا سمعت أغنية في “الراديو” لا أتفاعل معها، في حين عندما أشاهد نفس الأغنية في “فيديو كليب” أتسمر شأني شأن فتيات كثيرات أمام التليفزيون، مسلمات كل حواسنا إلى الشاشة التي تعرض لنا نموذجا من جيل الغناء الذي أنتمي إليه.

العناصر التي تفسد جيل الشباب أكبر بكثير من مجرد موديلات تظهر في أغنية أو مغن يجمع حوله كما هائلا من العارضات والراقصات

وتعترف أميرة حسن، طالبة في الصف الثالث الثانوي بأنه على الرغم من انتقادات الكبار لثقافة “الفيديو كليب”، إلا أننا نحن الفتيات مصرات على البحث عن نجماتنا المفضلات في “الفيديو كليب” لكي نقلد أشكالهن وحركاتهن، وعلى رأسهن نجمات الفيديو كليب الغربي من أمثال “شاكيرا” و“بريتني سبيرز”.

ولكن لم تقتصر ثقافة الفيديو كليب على الفتيات فقط ولكن على الشباب أيضاً، حيث يقول حازم جلال (15 عاماً): إنه مغرم بـ”الفيديو كليب”، لأنه يفجر طاقاتنا فنتحرك معه ونندمج معه لا شعورياً.

ويضيف بأنه لا يجد ضررا في الإدمان على “الفيديو كليب”، حيث يقول ” إن هذه السلوكيات في النهاية ليست نتاج أغنية مصورة بل هي حصيلة واقع اجتماعي واقتصادي وتربوي نعيشه ونتأثر بظروفه ومعطياته”.

أما المعاناة الحقيقية فهي التي يلاقيها الآباء، فبالرغم من أنهم يشاهدون أبناءهم وهم تحت رحمة موجة “الفيديو كليب”، إلا أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء لإنقاذ فلذات أكبادهم من حالة التدني والابتذال التي يشاهدونها في الأغاني المصورة، وتقليدها تقليداً أعمى ضاربين بكل القيم والأسس التربوية التي غرسوها فيهم.

بينما تقول نورا عبد المجيد: دخل “الفيديو كليب” حياتنا دون استئذان، وفتح الباب واسعاً لدخول عوالم غريبة عجيبة لا تمتّ إلى ثقافتنا بصلة. الهجوم الإعلامي المشوه لن يرحم أبناءنا وبناتنا لاحقاً، لأنهم عجينة مرنة جاهزة نفسياً لتلقي هذا البث الذي لا يمكن مقاومته، بما يملكه من عناصر جذب وإثارة وبهرجة والذي بات منعكسا على سلوكهم وأفكارهم سلباً.

وتتابع سعاد مصطفى، ربة منزل وأم لخمس فتيات، حملة الانتقاد نفسها حيث تقول: “الحمد لله بناتي واعيات كفاية كي لا يتأثرن بكل ما يشاهدنه في التليفزيون ولكن أنا حزينة للأخريات المراهقات اللاتي يعجزن عن الفصل بين نجمات الأغاني المصورة والنساء الحقيقيات في الواقع”.

وتضيف سعاد: أن السبب في انحدار الأخلاق والذوق العام للأبناء يرجع إلى وسائل الإعلام والفضائيات تحديداً، والتي عمدت في الآونة الأخيرة إلى تخصيص قنوات تبث طوال اليوم أغاني مصورة، باتت أشبه بدروس يومية يتلقاها أبناؤنا إجباريا.

على الطرف الآخر تقول نادية علام أخصائية اجتماعية: من الخطأ أن نحمّل “الفيديو كليب” ذنب الخلل الذي يعانيه الشباب، وتضيف: العناصر التي تفسد جيل الشباب أكبر بكثير من مجرد موديلات يظهرن في أغنية أو مغن يجمع حوله كماً هائلاً من العارضات والراقصات.

أما أسباب ولع البنات بنجمات “الفيديو كليب”، فترجعه نادية إلى شغفهن بالأنوثة الصارخة التي يقلدنها في الحركة والشكل واللباس مع أعمارهن المبكرة، إذ تعتبر فترة انتقالية يمر بها تفكيرهن من مرحلة إلى أخرى، وبالتالي فإن طموحاتهن تكون بشكل أكبر.

الشباب هم ضحية المخرجين والمنتجين الذين يسعون إلى تحقيق أكبر المكاسب من وراء أغاني الفيديو كليب

وأشار الدكتور أشرف جلال المدرس بقسم الإذاعة والتليفزيون فى دراسة له إلى أن الطفرة الكبيرة التي حدثت في مجال الإعلام خاصة الفضائيات التي تزايد عددها بشكل كبير، أدت إلى ظهور منافسة على جذب أكبر عدد من المشاهدين، مما شجع هذه القنوات على زيادة المواد الترفيهية كبرامج المنوعات والمسابقات وأغاني الفيديو كليب.

وفي رأي الدكتورة سامية أحمد علي أستاذة الإعلام فإن الأغنية الحديثة ترى ولا تسمع.. تزعج ولا تلهم.. وهي ظاهرة ولدت في عصر له إيقاعه ومذاقه وألوانه. وبطبيعة الحال له أجياله المغايرة لأجيال الطرب الغنائي القديم. إن غياب الرسالة الاجتماعية لظاهرة الفيديو كليب أدى إلى ظهور الترويج للمشاهد الإباحية الفاضحة والرقص غير المبرر، وإن هذه الأغاني تسهم بالطبع في التخريب الاجتماعي. وهو ما يجب التصدي له بكل قوة. وأضافت: أن الشباب هم ضحية المخرجين والمنتجين الذين يسعون إلى تحقيق أكبر المكاسب من وراء أغاني الفيديو كليب.

وأكدت أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق العائلة فقد تبيّن في كثير من البحوث أن الأم من أجل الوقت الذي تسعى فيه إلى إنجاز مهام المنزل تترك ابنها يشاهد التليفزيون غير منتبهة للمادة الإعلامية التي يتلقاها منه.

ويقول الدكتور غريب عبد السميع أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان: إن المجتمع قد أصيب ببلاء حقيقي من هذه الأغاني، وخاصة جيل الشباب الذي يعشق هذه الأغاني ويقلدها. وبدلا من أن تقوم الفضائيات بنشر فلسفة تشغيل العقول تقوم بنشر ثقافة الكلمات الهابطة والصورة المثيرة للغرائز والاستعراض الجسدي.

20