الفيديو كليب وتكوين الأذواق

الأربعاء 2015/06/17

في البداية لابد من التذكير بمعنى المفردات، وإذا كانت كلمة فيديو معروفة وتعني “مرئي = صورة”، فإن كلمة كليب تعني أنه مقطع مجتزأ من عمل أطول. ثم شاعت هذه التسمية لكل مقطع فيديو قصير مجتزأ أو يتم إنتاجه بصورة مستقلة لهدف إعلامي أو ترويجي أو تربوي أو تثقيفي أو إرشادي أو دعائي لأي غرض كان.

ومع تطور الإنترنت وتزايد التعامل معها، ونشاطات مواقع التواصل وظهور محركات تنزيل مقاطع الفيديو كاليوتيوب، انتشر التعامل مع الكليبات مشاهدة ومشاركة، وحتى توريدا لما تلتقطه كاميرات الهواة والمحترفين، فنشأت ما أطلقت عليه موسوعة ويكيبيديا الإكترونية ظاهرة “ثقافة الكليب” مع تطور منصات البث عبر الإنترنيت (2005)، وبعد سنة واحدة بلغ عدد مقاطع الكليب التي يمكن مشاهدتها مجانا على (يوتيوب، غوغل، ياهو، إلخ …) عشرات الملايين وتتناول شتى المواضيع الهامة وغير الهامة، الخاصة والعامة، الجدية والهزلية، الإعلامية والعائلية، النزيهة واللئيمة، الإباحية والمحتشمة، المفيدة والتافهة، النادرة والمسلية، المثيرة للاهتمام والتي بلا معنى.

وقد ارتفعت بشكل خرافي معدلات التعامل مع بث واستقبال مقاطع الفيديو كليب مع ظهور أجهزة الهاتف الذكية التي سهلت التقاط الصور وبثها مباشرة، ليس فقط للأصدقاء وإنما أيضا إلى يوتيوب ليراها الناس بعد لحظات في مختلف أنحاء العالم.

ومثلما يوجد فيديو كليب، يوجد أوديو كليب، وهو مقطع صوتي قصير، ذو هدف محدد وقصد معلوم كانت تبثه الإذاعات وما زالت.

في منطقتنا العربية يعرف معظم الناس “الفيديو كليب” كمقطع غنائي لمغنية تظهر مفاتنها وتلاحق شابا وسيما جذابا هجرها أو تدلل عليها أو مال عنها، وتجسد هذه الفيديو كليبات غالبا شبق الشرقي إلى جسد الأنثى، أما إن كانت الأغنية لمغن فنراه مبهورا بما يحيط به من راقصات وفاتنات يتمايلن، ليس بالضرورة على إيقاع اللحن، المهم أن تحقق كثرتهن في الأغنية إشباع ميل الرجل إلى “الحريم”.

الإعلامية اللبنانية نضال الأحمدية ترى أن “هذه الكليبات تعتمد على ابتذال الجسد وليس على إبراز جماليته، ضمن سياق مجتمعي كامل. فالشعوب المهزومة تتفكك أخلاقيا”. بينما استشاري الطب النفسي د. خليل أبوزناد فيقول “هذه الأغنيات داعبت المناطق المغفلة في نفسية الإنسان العربي، وقدمت له ما يخجل أن يطلبه بنفسه، وهذا هو السبب الرئيسي في رواج هذه الأغنياتّ”.

يضع البعض اللوم على شركات الإنتاج، وبعض الفضائيات والمطربين الذين يميلون إلى هذا الصنف “الإخراجى” لأغانيهم التي لا يعود فضل انتشارها لأدائهم أو أصواتهم ولا للكلمات أو اللحن، وإنما فقط إلى تلك البهارات “الأنثوية” التي تهيمن على الصورة لتغوي الكثير من المتفرجين، وغالبا ما يكونون من فئة المراهقين -من الجنسين- الذين يستعملون مقاطع من تلك الأغاني للتراسل عبر هواتفهم.

قال لي أحد مخرجي الفيديو كليب متباهيا إنه يحتفظ في أرشيفه الخاص بلقطات جمعها من أغانيه السابقة لصبايا ونساء يرقصن ويتغنجن ويظهرن مفاتن أنوثتهن بأوضاع مختلفة وفي أماكن بيئية متنوعة، فرادى وجماعات، وهو يستعمل تلك اللقطات المدخرة في أغانيه الجديدة مع إضافة بنتين أو ثلاث فقط يتمايلن حول المطرب الجديد المبهور بنظراتهن الجذابة.

ومن هنا يتفق الكثيرون على أن معظم ما نشاهده من أغنيات الفيديو كليب العربية اليوم تعتمد على لقطات تزينية لا علاقة لها بمضمون الأغنية ولا بطبيعتها العاطفية أو الوجدانية ولا في المعاني، ولو انتزعنا “بهارات” الصورة، ووضعناها اعتباطا على أغنية ثانية لكان الوضع “ماشي الحال”.

مكمن هذه العلة يعود إلى أن أغنيات الفيديو كليب تتحقق بمعزل عن أي سياق يتعلق بالمضمون، كما كانت الحال في أغنيات السينما العربية التي عرفت منذ عشرات السينين التجارب الأولى لما يمكن اعتباره الفيديو كليب العربي، فقد رأينا الأغاني في الأفلام العربية تقدم ضمن سياقاتها الدرامية وبما يتناسب مع بيئة الأحداث ومسارها، فكانت أغاني مخرجة بطريقة ملائمة لمستويات الأحداث والشخصيات.

ولنأخذ مثالا على ذلك فيلم “أبي فوق الشجرة” للمخرج حسين كمال الذي قدم فيه عددا من أشهر أغنيات عبدالحليم حافظ. تجسدت فيها “تعبيرية” تحمل المناخات والمعاني التي أريد لكلمات الأغنيات أن توصلها للمشاهد، ناقلة بهجة الفرجة وجماليات المعاني والمفاهيم.

الفيديو كليب، مع كل ما فيه من فوضى وارتجال وابتذال وسطحية، يبقى بضاعة رائجة ينبغي الاهتمام بها كصنف من أصناف الفن، له شروطه مثلما له جمالياته وأدواته التعبيرية، وله مخاطره السلبية على تكوين الذوق العام وإشغال المراهقين بالذات، بأشكال فنية هابطة، لا علاقة لها بفن الفيديو كليب الذي يجب أن يكون.

18