الفيزياء السياسية

الخميس 2013/11/28

"شعدون" ليس مجرد رجل نحاسي وسيم، إنه شحنة لا تنتهي من المعلومات، وأجمل ما فيه أنه يعرض خدماته بلا مقابل، ورغم أن هذا النوع من الخدمات يخيفني، إلا أني لا أتردد في قبول أي خدمة مجانية كانت أو مدفوعة قد تقودني للمعرفة.

همس، وكلام "شعدون" دائما همسا، فصوته جهوري، وإن لم يهمس سمع قوله جيراننا البعيدون: سأجعل منك أستاذة "للفيزياء السياسية". فسألته: وهل يوجد تخصص بهذا الشكل؟ أجاب: نعم، إنه تخصص منتشر في الغرب، لكنه مكتوب بالحبر السري! وإن ألبستك رداءه ستلجين عالم البشر من جميع مداخله، فالناس يتعاطون مع العلماء في المجالات البشرية مثل الأطباء، لكن العاملين في الطبيعة البحتة -أمثالك- مستبعدين عن المجتمع، إلا لو خلطوا الطبيعة أي الفيزياء بالبشر!

فسألته: فهل أنت بهيئتك النحاسية هذه فيزياء على شكل بشر؟

تغافل عن سؤالي واسترسل يقول: لو بحثت ستجدين كتبا في علاقة السياسة بالعلم، لكنك لن تجدي هذا النوع من الكتب باللغة العربية، إلا من بعض المقالات هنا وهناك، والكتب المترجمة منها لم تتطرق لمفهوم الفيزياء السياسية.

قاطعته: الذي هو؟ فأجاب، الذي هو: تحويل الرموز الرياضية -التي يتحدث بها علماء الفيزياء- إلى كلمات مفهومة للعامة، يعيد صياغتها ويحيك حولها الساسة الغربيون إعادة تشكيل العالم الثالث، أما الرموز الرياضية الخاصة بتلك النظريات الفيزيائية فيحتفظون بها ليستخدمها موظفو تكنولوجيا المعلومات لديهم في حواسيبهم المتقدمة، فترسم لهم الحواسيب كل احتمالات التداعيات المستقبلية التي قد تنتج عن تلك المعادلات.

فسألته: دعني أعود بك خطوة إلى الوراء، إذن فهي لا يقصد بها تسييس العلوم أو الفيزياء؟

أجاب بتؤدة: لا، بالرغم من أن تسييس العلوم موجود، لكن الفيزياء السياسية تبحث في طرق التحكم بالجماهير/الشعوب، عبر قنوات غير مرئية، طرق تتبع النظريات الفيزيائية القديمة والحديثة –على حد السواء- لتتحكم في حركة الأنظمة "السياسية"، وانتقال الأفكار والمعلومات فيها، كما تتحكم قوانين الجاذبية في حركة النجوم والمجرات، وأبرز مثال على هذا انتقال عدوى الثورات عبر قنوات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر). ثم تابع يقول: بالرغم من أن برامج تلفزيونية وإذاعية بحثت تداعيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنك لن تجدي كتبا حول الفيزياء السياسية بشكل مباشر، ليس الآن على الأقل، ولكن ربما وجدت أمثلة عن الانتقال فيزيائيا مطروحة في الأطروحات السياسية الغربية، فأكثر الأمثلة الفيزيائية لتصوير انتقال الطاقة هو "البندول" والأرجوحة، وتتابع سقوط أحجار الدومنو.

قاطعته هنا قائلة: نعم فالأخيرة طرحها "كريستوفر ديفدسون" في كتابه الشهير "مشايخ الخليج"، حين كتب لو سقطت البحرين أو نجحت ثورة الشيعة في البحرين ستسقط وراءها السعودية، باعتبار المنطقة الشرقية من السعودية يغلب عليها الشيعة، وعليه سيتداعى الحكم الملكي الوراثي لدول الخليج بالتتالي.

أكمل قولي: بالضبط، فخاصية التداعيات المتتالية Cascading Failures في الفيزياء هي أول مواصفات الأنظمة المركبة، التي يغلب عليها السلوك الشمولي، أي أن سقوط جزء واحد من النظام يمكن أن يؤثر على باقي النظام مثل تداعي سقوط أحجار الدومنو. وعلى فكرة هذا أكثر الأمثلة الفيزيائية تطابقا مع السياسة، بالإضافة لمثال أحجية الصندوق الصيني الذي يصف تداعيات الأنظمة السياسية وصفا دقيقا.

نظرت إليه مستفسرة، فاسترسل يقول: فأحجية الصندوق الصيني -كما تعلمين- هو أنك كلما فتحت صندوق رأيت بداخله صندوقا آخر، فلا يكون الصندوق الأول (الأكبر) هو الحاجز الوحيد للصول إلى مبتغاك، بل إن هناك حواجز أخرى، بمعنى آخر كلما حاولت التخلص من مشكلة للوصول إلى هدفك ظهرت لك أخرى أكثر تعقيدا.

ولو عدنا لثورات الربيع العربي كمثال، بدا لأول وهلة أن وجود الحاكم الدكتاتور هي المشكلة الوحيدة ليتخلص ثوار تلك الدول من الفساد والفقر، لكن لم تكن تلك المشكلة الوحيدة، فلقد كان تختبئ داخل صندوق الحاكم مشكلات أكثر تعقيدا، مثل التعاطي مع مساحات الحريات التي أفسحت لهم.

أكملت: وتلك مست حريات الآخرين، بدءا بالشتم كحرية للرأي وانتهاء بالتحرش الجنسي من مبدإ الحرية أو المدنّية! فمعظمهم لم يعرف مبدأ "حريتك تتوقف عند حدود حريات الآخرين"؛ هم أرادوا الحرية لأنفسهم، لكنهم وبشكل غير إرادي لم يطبقوها كحق للآخر، لدرجة أن صاروا دكتاتوريين، بل واقتحموا حياة الآخرين، معتقدين أنهم يعرفون الأفضل، وأنهم أحرار في ذلك التدخل.

أيدني قائلا: وهذا ما أزم المواقف بين الشعوب، وجعلهم يعادون بعضهم بعضا بعد أن كانوا متحدين في معاداة الحاكم.

فسألته: ألا تظن أنهم هنا دخلوا في الصراع على السلطة فيما بينهم، بعد أن كان الصراع بين الشعب والحاكم؟

أجاب: نعم، هذه واحدة، لكن المشكلة الأكبر هي التعاطي مع السياسية، وبمعنى أدق الديمقراطية ليست أمرا سهلا، فتلك الشعوب الثائرة –والتي صارت لاحقا متناحرة- لم تكن لها تجارب وخبرات سياسية!

فقلت: لذلك فشل الإسلاميون حين وصلوا إلى سدة الحكم، لأنهم ليست لديهم الخبرات الكافية لإدارة دولة!

أكمل قولي: بالضبط، هذا غير معضلة وضع دساتير محايدة تشمل جميع أطياف المجتمع، فهذه كانت أمّ المعضلات، التي انبثقت حين أراد الإسلاميون وضع دساتير ذات خلفية إسلامية، متجاهلين الطوائف والأحزاب الأخرى.

تدخلت هنا لأسرد له شيئا أعرفه: هل تعلم أن دستور المدينة أو صحیفة المدینة هو أول دستور مدني في التاريخ، صدر عام 623م، وضعه النبي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وأن هذا الدستور حوى 52 بندا، لم يكن بينها بند واحد يقول إن المدينة دولة أو كيان سياسي إسلامي، بل قال عنهم جميعا (المسلمين واليهود والوثنيين): "إنهم أمة واحدة من دون الناس"!

فأجاب: نعم ولقد اعتبر هذا الدستور "مفخرة الحضارة الإسلامية، ومعلما من معالم مجدها السياسي والإنساني"، ولكن مسلمي اليوم مازالوا يواصلون تدميرهم لتلك المفاخر إما عمليا أو معنويا.

16