الفيسبوك في نصيته المضاعفة

الأحد 2016/08/07

تلك الإبرة الذهبية التي طالما تراقصت بين أصابع يد أميلكم قادت الخيوط إلى هندساتها وهي تبث الروح في أوصال النسيج الميت..!

لا يفتأ بعضهم – ينظر- وحتى الآن، إلى النص الفيسبوكي باعتباره وعاء عابراً لنص متلاش عرضي، لا يحمل إلا مقومات ما هو”قبل نصي”، أو نصي -فحسب- وذلك انطلاقاً من طبيعة أداة النشر المحكومة بعاملي زمن القراءة وطبيعة لحظة التلقي، الانفعالية، السريعة، بسبب خصوصية هذه الوسيلة الإلكترونية، وهي كما في تعريفها جزء من شبكة التواصل الاجتماعي، وقد استطاعت أن توسع دائرة متابعيها، على امتداد الخرائط، واللغات، وأشكال الكتابة، والصورة، كي تصبح أشبه بسوبرماركت مفتوح على كل ما هو مطلوب من قبل مرتاديه، حيث لكل منه شروط تفاعله أمام هذا المعرض الكبير، اللانهائي، الذي يجاور فيه الغث السمين، وما بينهما..!

إن مثل هذا الحكم الأولي على هذا النص يبدو مشوشاً، غير دقيق، لأن طبيعة هذه الوسيلة النشرية التي تفرض عرضية النص لأول وهلة، لا تمنع معالجة الناص لخطابه في الشكل الفنيّ المتوخى، على طريقته، من خلال عمق الرؤى الجمالية، في ما إذا امتلك الأدوات اللازمة، حتى وإن بتنا نجد، في حالات كثيرة، تنازل الناص المتمكن من هذه الأدوات، عبر مغامرة النشر عن الكثير ممّا هو جمالي، لصالح ما هو دلالي، وهي هنا مثلبته الخاصة، لأنه يفعل ذلك في إطار إنجاح مهمة تفاعله العام، أو التسويقي، الإعلاني، على حساب ما هو استراتيجي، وهو ما أدى إلى افتقاد نصوص هذا الأنموذج إلى مرتباتها الجمالية، الأمر الذي ينذر بخطر جسيم على مستقبل هذا المشروع عينه، نتيجة تماهيه مع ما هو استهلاكي.

ثمة نص -في الحقيقة- يستطيع، نتيجة اشتغال راويه، المتحكم بدفته، على تقنياته، وبعيداً عن الرهان على جماهيرية قرائيّته، أن يحقق لنفسه -النصية المضاعفة- التي يشير إليها خالد حسين في أكثر من مقال له، عبر احتفائه ببؤره الداخلية، واكتنازاته، وهو يحقق شعريته، كي يتجاوز -وفق حسين -النصية، إلى ما بعد النصية، وما فوق النصية، إلى -النصية المضاعفة- حسب ما اصطلح إليه، وهو هنا جمع ما بين النص الدريدي والتأويل المضاعف، كما اصطلح له إمبرتو إيكو، ليكون في التقويم -الأجناسي- النص الشعري نفسه، وهو ينجز شرطه النصي، في أعلى مستوياته.

إن النصية المضاعفة كما يراها حسين تتمثل وفق رؤيته بطاقة” الاختلاف المرجئ” الذي تتسلح به العلامة الأدبية لتتحدى الحسم الدلالي، وبالتالي، تتخذ العلامة فضاء اللعب الحر، على صعيد الاستهزاء بميتافيزيقا المعنى، وهي ثيمة مهمة، لا يمكن تشريح هذا النص إلا بعيد استقرائه العميق.

ولعلنا لهذا السبب، ذاته، بتنا نجد الفيسبوك، غير قادر على أن يحقق علامة النصية المضاعفة، لأنه لا يعدو أن يكون، كما هو في واقعه، وعاء نشر، لا أكثر، وإن كان هذا الوعاء متاحاً ضمن دائرة جدّ واسعة، هي طبق الفضاء الكوني ذاته، بعد أن استطاعت اختصار البعدين: الزماني والمكاني، بالرغم من أن هذا الاختصار لا يعني، بأي شكل من الأشكال، توفير الثيمة الإبداعية، هذه الثيمة التي غدت في متناول الناص، المتمكن، غير مستعصية عليه، تفاعلاً، وإنتاجاً على حد سواء.

حيادية الوعاء الإلكتروني -هنا- تدفع إلى الكثير من الالتباس، أثناء محاكمة النص، لا سيما من لدن تلك -الماكنة- التي قد تستطيع إعادة إنتاج نصوص تالية، على نصوص سابقة، من خلال أقل مدة زمنية، وهو ما يجعل الحاجة إلى محاكم النص الغائب في درجة ضروريتها القصوى، لا سيما أن هذا الوعاء يتعامل ببلادة، ليس مع النصوص اللاحقة التي تقارب النصوص السابقة، فحسب، وإنما حتى في أعلى صيغ وأشكال الاستنساخ، أيضاً، وإن كان في إمكان هذه الوسيلة التصريح بنسب المستنسخ عن المنسوخ عنه، وهو أحد التحديات الإلكترونية الكبرى القائمة.

وإذا كانت الحيادية -وفق هذا التناول- مثلبة تسجل على الوعاء الناشر، فإنها تعد -في المقابل- علامة إيجابية تسجّل لها، لأنها تفتح أبواب التفاعل مع النصوص، على أوسع أمدائه، ناهيك عن أنها تحقق المجاورة إلى جانب المحاورة، كي يكون للنص المضاعف حضوره، إلى جانب النص الاعتيادي، أو حتى ما قبل هذا النص ذاته.

إن استكناه مصطلح النصية المضاعفة، فيسبوكياً، يجعلنا نتأنى في تفكيكاتنا للنصوص التي يمكن استعراضها، بوساطة الشاشة الزرقاء، قبل أن نطلق أحكامنا المعمّمة، والمعماة، باعتبار أننا خلال هذه الوسيلة الناشرة، أمام فضاء شاسع، تلتقي فيه التضادات والتماثلات، جمالياً أو لا جمالياً، إن لم نقل بشائعياً، وهو ما يدعونا للكثير من الأناة، أنّى رمينا بسنانيرنا في لجج هذا المحيط العظيم.

كاتب من سوريا

11