الفيسبوك منصة للعنف ضد الذات والعالم

الأحد 2017/02/19

مرت أشهر على انتحار الشابة اللبنانية نورهان حمود تاركة وراءها رسالة صغيرة على الفايسبوك، لاقت تفاعلا واسعا من أصدقائها وروّاد موقع التواصل الاجتماعي ينعونها ويبكونها، كما لاقت تغطية من وسائل إعلامية ومواقع إلكترونية عدة، بعدها شهد موقع التواصل الاجتماعي انتحار طفلة أميركية لها من العمر 12 عاما عبر خاصية البث المباشر. ومنذ أسابيع أعلن عن انتحار الممثل الأميركي فريدريك جاي، عبر إطلاق النار على رأسه تحت عدسة البث المباشر في الفايسبوك، وقد قامت إدارة الفايسبوك لاحقا بحذف مقطع الانتحار لما يحتويه من مشاهد عنيفة تخالف سياسة الموقع. وهنا يطرح السؤال: هل بات الفايسبوك يشكّل منصة للانتحار؟ أو لإثبات الجرائم على اختلافها؟ وما هي طبيعة العلاقة بين المرء وهذا الموقع، بحيث تدفعه لتدوين أحواله وحوادثه أو بثها؟ وكيف استطاع هذا الموقع اجتياح ذواتنا وخصوصياتنا بهذه الطريقة؟

لا تدّعي هذه السطور استشراف أجوبة شافية كاملة لهذه التساؤلات، أو الكشف عن كافة مناحيها، فهذه الأمور تستدعي دراسات موسّعة تعجز عنها هذه المقاربة، لكن الحال هو الإضاءة على بعض جوانب تلك العلاقة بين المرء وموقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك)، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

في البداية لا بد من الإشارة الإلماحية إلى طبيعة العلاقة مع الميديا، فيذهب جان بودريار إلى أن المجتمع المعولم الذي خلقت حوله وسائل الإعلام الجماهيري الرقمي قدرا كبيرا من الرموز المشبعة بالمعاني الذاتية المرجعية هو عالم زالت منه علاقة الدال بالمدلول، وعليه فالعالم أضحى مجرّد صورة نقلا عن صورة، وأصبح العالم مجموعة من عمليات الاصطناع والصور بلا صلة أو علاقة (مرجعية) مع أصل محدد في الواقع، بل تكون هذه المصطنعات (الصور) هي المهيمنة والواقع محجوب.

إن اعتبرنا أن وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الفايسبوك، تطرح في إطار الميديا، لظهر معنا طبيعة الفخ الذي وقعت فيه البشرية، ممّا يمكن وصفه بوهم العوالم والصور، فالفايسبوك منذ أكثر من عقد قد سيطر على العالم ووحّده في إطار هوية معولمة منفتحة على الآخر، ولم تعد المؤسسة الحاكمة (ليست سياسية بالضرورة) أو النخبة هي المسيطرة على سلطة القرار، بل أتاحت تلك المنابر الافتراضية فضاء واستقلالية لكل فرد من روادها، فبات لكل مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي صحيفته ومقالته وقصيدته، وخواطره، ومعرضه، وتجارته، في تضخيم بارز للأنا بحيث باتت العلاقة مع وسائل التواصل الاجتماعي والفايسبوك تحديدا جد صميمية، لا يمكن التنازل عنها ببساطة، فهي تمثل تمجيدا للذات، وتخلق وهم الاستمرارية وتحاكي بطريقة أو بأخرى عقدة الخلود لدى المرء، وإن عدنا إلى أصل الموضوع لوجدنا الحال كلّه وهم، وفي إطار الوهم، لعب فيه مفهوم الاستهلاك لعبته، وتركت وسائل الإعلام والإعلان الإنسان فريسة سهلة للصور المتوالدة عن الصور. أما السؤال عن الواقع أين هو؟ وما هي منزلته؟ فتبدو الإجابة مبهمة هلامية، إذ تبدو إحاطة الصور المتوالدة عن الصور لدى الإنسان، وسيطرة وسائل الإعلام والإعلان، التي بدورها باتت سلعة ولم يعد دورها مقتصر فقط على الترويج للسلع، قد غيبت الواقع في فضاء ما هو “فوق الواقع″ -كما يرى بودريار- في عناوين الغواية وحبّ الاستمرار.

تخطيط: ساي سرحان

أما الحديث عن الانتحار أمام كاميرا البث المباشر، وبالنظر إلى مفهوم ما فوق الواقع، فقد درج المنتحر منذ قديم العصور على ترك رسالة وداعيّة يعرض فيها سبب انتحاره، ويودّع فيها الأهل والأصدقاء، وكأنه بهذا يستأذن الخروج من هذه الحياة، ويسعى لإيجاد أسباب عقلانية مقنعة تغفر له ذلك الإقدام، وتبرّر ذلك التصرف، وفي هذا اعتراف ضمني بالواقع والمجتمع، وسعي من قبل المنتحر للإبقاء على صورته كعاقل مدرك في ذهن محيطه. لكن في ظل سيطرة الصور المتوالدة عن الصور، والمافوق واقع.. أين تقع تلك الرسالة؟

وبالتالي ما هي الصورة التي يرغب المنتحر بتركها في ذهن المشاهدين؟ قد يبدو هذا الإنسان للوهلة الأولى وكأنه ضحية لفكرة الاستمرار والخلود عبر الصوت والصورة المنقولة مباشرة، لكن الحال أن هذه الصورة لن تستمر كمفردة ولو بقيت كفكرة، ثم لعل هناك أطرا أخرى؟ فهذا الإنسان قد وقع ضحية مجتمعه، وهذا واقع، فغالبية المنتحرين هم بطريقة أو بأخرى ضحايا لمجتمعهم، ولكن أين المافوق واقع في الانتحار على البث المباشر؟ لا يخفى على أحد أن أغلى ما يملك الإنسان هو حياته، وخسارتها عن طواعية هو لأجل الفوز بحياة أفضل عند بعضهم، أو للتخلص من مشاكل كبرى سيطرت على الوعي، وأفقدت المرء اتزانه -وفق تصنيف المجتمع-، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي تستدعي رغبة دفينة بتمجيد “الإيغو” ولو لفترة وجيزة، وهذا التمجيد يشكل صورة من الصور المافوق واقعية، فقد لا يسعى المرء لإبقاء صورته كعاقل مدرك في أذهان المتلقين لرسالته غير الاعتيادية، ففي عمله هذا خروج عن مألوف الرسالة الوداعيّة، ثم في عنفية المشهد ما يؤكد أن صورته التي يرغب بتركها ليست بذات أهمية، فهو بانتحاره أمام العدسة إنما يمجد اللحظة، ولعله في عرض عملية الانتحار إنما يرغب بإشراك المشاهد في هذا العمل، في طرح أشبه بالتفاعل المسرحي، وكل هذا يصبّ في تمجيد الأنا، لكنه على الأغلب ليس إلا تمجيدا آنيا وقتيا ينتهي بانتهاء حياته، ويترك الآخر عند حدود التفاعل الإيجابي أو السلبي.

تبقى حالات الانتحار أمام الفايسبوك، برسالة أو ببث مباشر محدودة، لكنها لا تغير من الأمر شيئا، إن التركيز على الصورة ومدة فاعليتها في نفوس المشاهدين لسبب قد تدعو بساطته للابتسام والحزن في آن، ربما حصد كمية من الإعجابات، أو التعاطف، ما يدل على إفلاس الإنسان في ظل الثورة التكنولوجية، ومدى سيطرتها على عوالمه، وضياع حقيقة المرء (الحجب) وذاته، أمام الرائي، وعدم التنبه إلى أن الانتحار يؤدي إلى العدم وفق بعضهم، وإلى الجحيم وفق بعضهم الآخر. وبالنهاية حالات الانتحار أو الجرائم الموثّقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي رغم فردانيتها، ليست محدودة بطريقة أو بأخرى، فبمجرّد بثّها تحمل في طياتها دعوة للآخر لسلوك نفس المسلك بنسب متفاوتة من الانتحار المادي إلى المعنوي، وكل هذا قد يصنفنا كروّاد مواقع التواصل الاجتماعي كضحايا مفترضين لعولمة الاتصالات والثورة التكنولوجية.

كاتب من سوريا

11