الفيصل رائد المنهج الإنساني في الدبلوماسية الدولية

السبت 2015/07/11

حينما يقال إن الأمير سعود الفيصل، الذي انتقل إلى رحمة الله بعد عقود من العمل الدبلوماسي الرفيع والأداء السياسي الحكيم والاحترافي، صاحب مدرسة في إدارة الشؤون الخارجية، فذلك لا يكفي لوصف الصورة الكلية التي عكسها طوال حياته التي استغرقها في العلوم السياسية والحراك الدبلوماسي، فالصورة تحتشد بمنهج سياسي وإنساني كفيل بأن يصبح نموذجا عالميا معياريا في خدمة الوطن والإنسانية جمعاء.

فقدان الأمير الراحل سعود الفيصل -يرحمه الله- أكبر من أن يكون سعوديا أو عربيا أو إسلاميا، وإنما هو خسارة للبشرية، بأسرها، التي قلّما تجد أخيارا وأفذاذا وعباقرة يخدمون ملفاتها الإنسانية من أجل تحقيق الأمن والسلام الدولي، وذلك كان أحد أبرز أنشطته وأدواره طوال عمله على رأس الدبلوماسية السعودية، وخلالها تقاطع مع كل دبلوماسيي العالم تقريبا، وكان نموذجا لرجل الدولة السعودي الذي تفخر به بلاده وأمته.

منحنا الراحل الكبير سعود الفيصل -يرحمه الله- صورة ذهنية رائعة في عيون العالم، من خلال عقله السياسي المميز، وحركته النشطة، وخطابه السياسي المتوازن، ولغته التي تتعدد بألسنة الكثير من العالمين، فيوجد الإطار الدلالي الذي يختصر المسافات للوصول إلى نقاط مشتركة تخدم أهدافه العظيمة في دوره الدبلوماسي، وذلك أمر وهبه له الله، وزاده من خلال كسبه العلمي وتجاربه وحكمته.

نحو أربعين عاما في وزارة الخارجية كانت كفيلة بتأسيس منهج علمي وتطبيقي في الشؤون الخارجية، عاصر فيها أكثر ملفات العالم سخونة، ونجح، باقتدار، في إدارة ما يهم وطننا وأمتنا العربية والإسلامية، وتشهد منابر الأمم المتحدة له بجزيل العبارة وسداد الرأي وأدب الخطاب، وروعة الأسلوب الذي يسحر السامعين فيكون أقدر على إيصال رسالته، والوصول إلى قناعات منطقية في وقت أصبحت فيه السياسة خشنة وتحتاج إلى احترافية للتعاطي مع متغيراتها، وأفق واسع يستوعب تفاصيلها ويهندسها.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن لفراق الأمير سعود الفيصل الذي كتب بأحرف من نور في سجلات الدبلوماسية الدولية اسم بلادنا، وحلّق به عاليا، وهو يقدم نموذجا عبقريا ملهما لأجيال السياسة الخارجية ليس في بلادنا وحسب، وإنما في كل العالم، فهو فقد عالمي تفقد فيه الإنسانية أحد رجالها المخلصين الذين قدموا الكثير من أجل سلام وأمن البشرية وتحقيق تطلعاتها وطموحاتها في الخير الإنساني والوجودي.

لم تكن رسالة ومنهج الفقيد الفيصل -يرحمه الله- محددة بزمان ومكان، وإنما عمل بكل جهده من أجل الجميع، وتدفق بفكره وتجربته ليسهم في معالجات لم تكن لتأتي لولا حضوره الإنساني الذي يمتزج بجهده السياسي، ما أكسبه احترام العالم قاطبة، وذلك هو الذي يميز شخصيته الفذة، ويجعلها الأكثر قدرة على الدخول في أصعب المهمات وإنجازها بنجاح، فهو شخصية عالمية عرفت بكل فضائل وخلق الدبلوماسي والسياسي ورجل الدولة النبيل.

رحل الأمير سعود ويبقى منهجه عنوانا عريضا لتجربة استثنائية نادرة وفريدة في العمل الدبلوماسي والسياسي، وسيظل مصدر فخر لنا كمواطنين ووطن فجعوا برحيله، ولكن حسبنا أنه ترك إرثا ممتدا ونموذجا شخصيا يسطع في عقولنا وقلوبنا.

نترحم عليه ونسأل الله أن يتقبله القبول الحسن، فهو محبوب من الجميع، ومن يجد مثل هذه المحبة فإنه يبقى في الذاكرة ولا تمحوه رياح الأيام، وما تركه من إرث في العملين السياسي والدبلوماسي يظل النموذج والمعيار الذي ينبغي أن يسير عليه كل دبلوماسيي بلادنا، لأنه وضع لهم أسسا يقبلها كل العالم ويحترمها ويقدرها، ومن أجمل وأفضل ما نذكره به أن نظل في حالة استعادة مستمرة لمنهجه وأسلوبه، فهو لكل العالم وليس لوطننا وحسب، وحين نخدم الإنسانية على نهج الفيصل -يرحمه الله- ونتأسّى به، فمن المؤكد أننا نرتفع بخدمة بلادنا إلى أقصى المدى، ونمضي بها سنوات ضوئية في رسالتها الإنسانية.

كاتبة سعودية

9