الفيصل في التعليم بين الصراع مع الظلام ومصاعب التنوير

الثلاثاء 2013/12/24

يعتبر الصراع على التعليم في المملكة العربية السعودية معركة مفتوحة تستعمل فيها كافة الأسلحة وخاصة سلاح التشويه والاتهامات، كوصف الوزير المسؤول عن التربية والتعليم بالتغريبي، بل وتكفيره لمجرد اقترابه من أوكار الظلام والتكفير، ومحاولته فض تراكم الفكر التقليدي الجامد، والرافض للتحديث والتجديد والانتقال من التقليد إلى الابتكار.

معظم الوزراء الذين مروا على وزارة التعليم عانوا من هجمات مختلفة الأشكال والأوجه. رحل من رحل منهم وفي قلبه حسرة لكونه لم يستطع فعل شيء لأجل مستقبل وطنه وأبنائه وبناته.ما الذي يمنع وزيراً من القيام بتحديث نظام التعليم؟ من يقف ضده؟ هل يفشل وزير في عمل شيء وهو المعزز بميزانية تقدّر بالمليارات؟

ببساطة السبب والعائق هو نفوذ الحركيين الإسلاميين داخل مؤسسات التعليم، وانتشارهم كالنار في الهشيم، وسيطرتهم على مفاصل الأجهزة التربوية، وقدرتهم على تعطيل أي قرار تنويري لجعل الآلية التعليمية أكثر معاصرة ومقارنة بما هي عليه في دول متقدمة.

شبابنا بين نارين، نار التطرف والجهل والتخلف ونار غياب الاستراتيجيات الواعية، وإن وجدت غاب المنفذ الحاسم والذكي والقادر على التنفيذ، لا المرتعب من سطوة الظلاميين والذي يرحب بحصوله على المنصب العالي، لكنه حين يتصدى للتنفيذ يختفي وراء مكتبه مرتجفا من سطوة الإخوان، وخاصة السروريين وجناحهم العسكري القاعدة. المسؤول الذي يقبل بتكليف ولي الأمر له، يجب عليه أن يتصدى لمهمته بكل قوة وحزم متسنما عز التكليف وشرفه، لا أن يخون العهد ويصبح جزءا من حزمة عصي تعطل التقدم والتطور والتنوير. ولنأخذ بعين الاعتبار التجربة التعليمية السعودية الأخيرة، وخاصة حين لجأت الحكومة لابتعاث آلاف الطلبة.

وهذه خطوة محمودة ومرحب بها إلا من الظلاميين. ورغم طيب مقاصد هذه الخطوة وحسنها، إلا أنها اعتراف كبير ومهم وواضح بفشل الحكومة في إيجاد نظام تعليمي عال لعقود مرت.

كأنها بإرسال شبابها إلى الخارج تريد السباق مع الزمن، وأيضا لا تثق بجامعاتها، وتعرف أن القضاء على مواطن العفن فيها يستغرق وقتا طويلا. والدليل بقاء وزير تعليم عال ضعيف لا يستطيع المساس بمعلمين يشتمون حكومته ليل نهار، ويروجون للفكر الإخواني على مسمع منه.

ويعزز ذلك أن الحكومة تلجأ إلى شركة النفط آرامكو حين تريد بناء جامعة متميزة (جامعة الملك عبد الله)، ناهيك عن بناء ملعب أو إنشاء مشروع صناعي. وكأن الحكومة تريد القول إنها تعتمد على آرامكو لأن هذه الشركة غير مؤدلجة، ولا تقبع تحت سلطة أو نفوذ الظلاميين المعرقلين لعجلة التنمية.

وحين تستعين الحكومة بخدمات خالد الفيصل ليمتشق سيفه الدائم ويدير المعركة ضد الظلاميين في سراديب وزارة التربية والتعليم، فهي أيضا تعترف بأنها لم تستطع خلال عقود طويلة إداريا تكوين كوادر قيادية قوية وحازمة، وتستطيع الوقوف أمام السيل الهادر للمتخلفين وقطعان الخراف الضالة، المأسورة بالفكر القطبي والسروري، والتي تريد انتزاع السلطة من ولي الأمر ووضعها في عنق المرشد، الذي أصبح كالإمام المنتظر لا يعرف في سرداب أو قبر أو سجن هو موجود.

من الممكن الإشادة بقرار تعيين الأمير خالد الفيصل، فهو رجل حازم وقوي ويعرف تماما أثر الظلاميين على شباب الأمة، خاصة أن سلبيات أثرهم لا تمس السعوديين، فقط، بل تطال بقاعا قريبة وبعيدة.

لكن التساؤل الذي يجب أن يطرح بكل وضوح وشفافية هو، هل كتب على السعودية أن تجتر رجالها الذين وجب أن يرتاحوا وأن يصبحوا مستشارين وناصحين، بدلا من جعلهم يتصدون لمهام تنفيذية؟

الغريب في الأمر أن المستشار في الرياض هو الشاب الذي لا خبرات استشارية لديه، بينما التنفيذي هو من يملك من الخبرة الكثير ومن الصحة القليل لكي ينفذ المهام. هرم مقلوب ومنطق معكوس.

الأغلبية تخشى من التصدي للتنفيذ، ولا تجد إلا البعض ممن يسر الله لهم ملكات الحزم والقدرة المرهفة على الرؤية بعيدة المدى، وحسن اتخاذ القرارات المصيرية، التي هي مثل شفرة السكين تفصل بين الباطل والحق، وبين الظلام والنور، وبين التخلف والتقدم.

قد يقول قائل إن هناك جيلا جديدا بدأ يتسلم المهام الصعبة، فهناك نائب لوزير الدفاع تسري دماء الشباب في شرايينه، وأيضا من خلف خالد الفيصل في مكة المكرمة شاب. وهناك شباب يقومون بمهام جيدة. هذا صحيح لكن من يتصدى للمهام العصيبة والصعبة والتي تتعلق بالمواطن البسيط يجب أن يكون حازما قويا، وحين تتوفر لديه الرؤية الاستشارية الحكيمة يقوم بالعمل بحسم ونزاهة وقوة.

لم تخش النمسا من تولية أمر خارجيتها شابا في السابعة والعشرين من عمره. ولم تلعب لعبة قطر في وضع أمير شاب، بينما الأمير الوالد خلفه يدير المشهد. لذا على صناع القرار أن يشركوا الشباب في صنع القرار فيمنحون البلاد طاقة قوية ووثابة ومحفزة تفتح الأمل للشباب، وأن لا يقتصر الأمر على جماعة بعينها، بل ان يفتح الأمر لكل شباب الوطن بمختلف انتماءاتهم ما عدا من يحملون فكرا ظلاميا قاتلا.

معركة تطهير التعليم والتربية من المتطرفين مهمة وطنية دينية وإنسانية، أثرها ليس على السعودية فقط بل على كل العالم، لذا على مسؤولي المملكة المسارعة بالقيام ما تمليه عليهم واجباتهم تجاه البشرية، ولا يمكن السماح ببقاء الظلاميين يقودون أبناءنا إلى مهاوي التطرف. لا يمكن أن تظل المرأة بعيدة عن الاضطلاع بدورها وهي التي يسمح لها ولي الأمر بالتعليم في الخارج فتبدع وتضرب أمثلة ناصعة لحسن الخلق والعلم، لكن ما إن تعود إلى أرضها حتى تعامل كمواطن من الدرجة الثانية يمنع من ممارسة أبسط حقوقه.

المعركة ضد الظلام مهمة المجتمع السعودي بكل أطيافه ودونها سيسقط في لجة لن تمنحه التقدم إلى الأمام مهما فعل. الإخوان الظلاميون ومن ساندهم آفة يجب أن تُجتث من أرض الإسلام لتقديم صورة طيبة للاعتدال والتحضر التنوير.

9