الفيفا تتمرغ في الوحل

الأحد 2014/09/21

لا أحد يقدر على الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ولا أحد بمقدوره مجابهة سطوة هذا الهيكل الرياضي الذي فاق بجبروته المالي وسلطته النافذة، سلطة بعض الدول..

بل إن قرارات الفيفا تبدو دوما صاعقة ولا أحد يجرؤ على كسر عصاها، إلى درجة أصبحت خلالها بعض الدول تخشى هذه القوة الضاربة للاتحاد الدولي، الذي يقدر على فرض عقوبات قاسية على الهياكل الكروية المحلية والمنتخبات، ويقدر أيضا على حرمان كل اتحاد رياضي ينضوي تحت لوائه من المشاركة في المنافسات الدولية، إذا لم يمتثل لقراراته.

لقد “تغوّلت” الفيفا وامتدت قوتها إلى درجة باتت خلالها قوة اقتصادية ومالية تحقق أرباحا قياسية وبأرقام فلكية، بل إن المونديال الأخير مكّن الفيفا من تحقيق أرباح تجاوزت ملياري دولار.

رغم أنه لم يرصد سوى ميزانية أقل من ذلك بكثير لتنظيم هذا الحدث، الذي أثار جدلا كبيرا ومظاهرات عاصفة في البرازيل مناوئة لسياسة الحكومة البرازيلية التي سايرت الاتحاد الدولي، وصرفت أموالا طائلة كانت مخصصة للصحة والتعليم في سبيل تشييد ملاعب جديدة استجابة لمطالب الفيفا.

لكن في خضم هذا “الجبروت” والتوسع المالي للاتحاد الدولي لكرة القدم على امتداد السنوات الماضية، بقي هذا الهيكل محل جدل واتهام كبيرين بسبب السياسة المتبعة من قبل القائمين عليه، وأيضا بسبب الفضائح المتلاحقة التي ضربت الفيفا دون أن تزعزع كيانه.

فهذه المنظمة الرياضية العالمية التي يشبهها البعض بأنه منظمة الأمم المتحدة لكرة القدم، عرفت كيف تقوّي نفسها بنفسها، ونجحت في تحقيق إنجازات هائلة جعلت سلطتها قوية للغاية.

لكن بقيت هذه السلطة وهذه القوة مثار تشكيك وقدح، ليس بسبب تحكمها المطلق في تسيير دواليب اللعبة الشعبية الأولى في العالم، أو سنها قوانين يتوجب على كل الاتحادات المحلية التقيد بها، أو تنظيمها كبرى البطولات العالمية، بل بسبب السياسة التي تنتهجها، وكذلك بسبب رائحة الفساد الإداري والمالي التي تفوح بين حين وآخر.

في السنوات الماضية عرف الاتحاد الدولي عديد الفضائح خاصة فيما يتعلق بمنح الأصوات لدى كل عملية اقتراع، ليستأثر بلد دون آخر بشرف تنظيم بطولة العالم، وراح ضحية سياسة الفيفا عدد كبير من المسؤولين المرموقين في هذا الهيكل بسبب تورطهم في فضائح رشاوى.

لم يقتصر مسلسل الفضائح على هذا الأمر فحسب، بل شمل عدة مسائل أخرى تهم ملف التعامل مع كبريات الشركات العالمية التي باتت تتدخل وتتحكم في بعض القرارات المصيرية التي تتخذها الفيفا، والسبب في ذلك، المصالح المالية المشتركة بين الطرفين، فباتت كرة القدم مطية لتحقيق المصالح الشخصية الضيقة، دون اعتبار مصالح الدول الفقيرة التي تقتات من “الفتات” والنزر القليل الذي يمنحه الفيفا للاتحادات المنضوية تحت لوائه.

وعرفت هذه الفضائح وجوها عديدة، فمنها ما هو متعلق بمنح أصوات للملف القطري الذي فاز في نهاية المطاف بتنظيم مونديال 2022، قبل أن يتم اتهام مسؤولي الفيفا بتحقيق كسب مالي غير مشروع لتغليب مصلحة الملف القطري، أو التحكم في سوق بيع التذاكر في نهائيات كأس العالم سواء في النسخة الأخيرة بالبرازيل أو الدورات السابقة.

"جشع″ هؤلاء المسؤولين امتد إلى أكثر من ذلك، إلى درجة أن بعض أعضاء الفيفا لم يتورعوا في آخر حلقة من مسلسل الفضائح المستمر في الحصول على هدايا منحها إياهم الاتحاد البرازيلي لكرة القدم على هامش تنظيم المونديال الأخير.

فتفجرت منذ أيام قليلة “قنبلة” جديدة عندما طالبت لجنة الأخلاق التابعة للفيفا، كل الأعضاء الذين تسلموا ساعات باهظة الثمن تساوي قيمة الواحدة منها حوالي 20 ألف يورو بإعادة هذه الهدايا، وقد بلغ عدد المسؤولين من الفيفا الذين تلقوا الهدايا حوالي 30 شخصا أغلبهم يتقلد مناصب مرموقة في الاتحاد الدولي.

غير أن ما جلب الانتباه وأثار الجدل، هو لماذا انتظرت لجنة الأخلاق كل هذا الوقت حتى تطالب بإعادة الهدايا؟ ولماذا لم تشدد على أعضاء الفيفا منذ البداية بضرورة عدم الحصول على أيّ هدية مهما كانت قيمتها؟

الأمر مثير فعلا للاستغراب إلى درجة أن ميشال بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أصدر تصريحا ساخنا للغاية يتهكم من خلاله على قرارات هذه اللجنة التي سكتت طويلا، قبل أن تقوم بتصرف غريب وغير منطقي.

لكن الثابت أن تحرك لجنة الأخلاق صلب الفيفا في هذا التوقيت بالذات، ينم عن إدراكها ولو بصفة متأخرة أن ما حصل في المونديال البرازيلي أمر غير مقبول بالمرة، وقد يزيد في فضح الاتحاد الدولي الذي بات بمثابة “بؤرة” للفساد ومستنقعا للفضائح.

وربما لم يخطئ النجم البرازيلي السابق روماريو عندما قال قبيل انطلاق منافسات كأس العالم الأخيرة، إن الاتحاد الدولي منظمة فاسدة ومشبوهة، لا تسعى إلاّ لتحقيق المكاسب المالية على حساب الدول الفقيرة، قبل أن يضيف أن الفيفا ليس سوى “عصابة” تتمرغ في الوحل.

23