الفيلسوف الذي ذهب وترك الأسئلة عارية

الصادق النيهوم استطاع أن يثق بالمعارف التاريخية الغابرة ويعمل على تفكيك رموزها التي جعلت منه مفكِّرا مختلفا عن جدارة.
الأحد 2019/11/10
النيهوم كان منتميا للأرض وللإنسان

إذا كانت الفلسفة في درجتها العلمية النظرية، مجرَّد تفسير للفكر والتاريخ، فإن الصادق النيهوم الذي امتهن حياة اللغات للبحث في أصولها ومعارفها الحاضرة والغائبة، ومن تخصُّصه النادر في “مقارنة الأديان”، كان الفيلسوف الذي ظهر في شمال أفريقيا في النصف الأول من القرن الماضي، ليملأ الدنيا ضجيجا بأفكار لم تكن جديدة في حداثتها، كما لم تكن قديمة في معيشها النظري والإنساني.

فهذا المفكِّر التنويري، بامتياز العقل والفكر، لم يكن استشراقيا في فكره، ولا شرقيا في معتقده الديني، ولا غربيا أيضا في سلوكه الحياتي.

كان منتميا للأرض وللإنسان، هنا وهناك، ومسلِما “عِلمانيا” يؤمن بأن الحياة بمعناها الوجودي هي في اعتناقها للدين. ولقد كانت ثمرة بحثه الطويل في مقارنة الأديان هي “تحرير الإسلام” من سلطة الإسلاميين الذين جعلوه ممكنا لهم في الدنيا والآخرة، وعسيرا وصعبا على أمة الإسلام التي فقدت مبدأ الشورى في تاريخ الخلافة، وخسرت الديمقراطية في تاريخ السياسة.

ولعل “موضوعة الجامع” في نقاشها الموضوعي التي عرضها النيهوم في سلسلة فكرية من الطروحات النظرية، قد شغلته كما شغلت الكثيرين في ردودها المتباينة لأكثر من عشرين سنة، وهي “الموضوعة الفكرية” التي كانت تأسست نهاية الستينات مع نشر دراسته المشهورة آنذاك “العودة المحزنة إلى البحر”.

لقد كان لحضوره الفكري العربي في مجلة “الناقد” التي بدأت مسيرتها الثقافية المتميِّزة بمقالاته وانتهت بمقالاته، الأثر الكبير في ظهور مفهوم “النقد الديني التفكيكي” نتاج العقل الإسلامي في أصوله المعرفية قبل حقبة “الخلافة والفتنة”، تلك الحقبة التي قادت الإسلام إلى الاختلاف في شكل العقيدة، كما قادت الإسلام إلى الفرقة، في صميم هذه العقيدة.

ولعله كان المفكر العربي الأبرز الذي أثار قضية “الجامع” وسأل المسلمين: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟ وهو سؤال حُر كان يُمكِن لأي مسلم أن يسأله يوم الجمعة في الجامع، لكن “الديمقراطية” التي فتحت مدرستها السياسية المزوَّرة في البرلمان، صادرت “الشورى” التي كانت مدرسة المسلمين السياسية في الجامع.

إن سِجالات الصادق النيهوم الفكرية وردود أفعالها المتباينة في المنابر العربية خلال العقدين الماضيين، جعلت منه “الكاتب” الأكثر أهمية في نقده “الثقافة الإسلامية”.

بوفاته انتهت مجلة “الناقد”.. وبوفاته لم تنته معارك “الناقد” الكبير الذي طرح سؤال الناس لأكثر من نصف قرن حول البحث عن مكان ومكانة المسلِم في الإسلام.

وإذا كانت الآراء قد اختلفت حول فكره التنويري، فإنه استطاع أن يثق بتلك المعارف التاريخية الغابرة ويعمل على تفكيك رموزها التي جعلت منه مفكِّرا مختلفا، وعن جدارة، في زمن “الفتوحات السياسية” التي صادرت حق “الشورى” في الجامع، من أجل ديمقراطية “البرلمان”.. وهي المعضلة السياسية التي قادت إلى الاختلاف عبر التاريخ، وكانت سببا رئيسا في ظهور ثقافة الأصولية الدينية ونشوب التطرُّف الإسلامي في المجتمعات الإسلامية.

ولقد رحل الصادق النيهوم عن دنيانا مبكرا قبل أن يصل إلى خاتمة مقاله البحثي في نقد “الفكر الديني” والمساهمة في تحرير الإسلام من الأسر، ولقد كان لغيابه قبل الفجر تحديدا، علامة فارقة في مشوار حياته وفكره، ومحض سؤال يتكرَّر في الوجود عن موضوع لم يكتمل، ولن يكتمل من الأساس.

12