الفيلم القصير فن جاد يحارب السينما السفيهة

تعددت تعاريف الفيلم القصير وكثر الكلام حول هويته الفنية والتقنية، فهناك من يعتبره مجرد تمرين على التقنيات والأساليب السينمائية على حدّ سواء، وهناك من يراه مجرد مرحلة عبور إلى الفيلم الطويل، وهناك أيضا من يشتغل عليه باعتباره فيلما قائم الذات، له فلسفته وهويته الفنية، بغض النظر عن مدته الزمنية.
الثلاثاء 2015/06/09
الفيلم القصير : احك حكاية وإلا قتلتك!

كيف يمكن تعريف الفيلم القصير؟ ما الذي يمثله بالنسبة إلى بعض المخرجين؟ هل له استقلالية فنية وجمالية خاصة، أم أن السينما كُلّ غير قابل للانشطار سواء طالت مدة الفيلم الزمنية أم قصرت؟ أسئلة حملناها إلى بعض المخرجين فكانت آراؤهم متباينة بغناها ورؤاها.

يرى المخرج والناقد مومن السميحي في ما يشبه “التعاليم العشرين” أن القصير ليس تقزيما ولا تحقيرا، ليس القصير استراتيجيا، ليس القصير نمطا، ليس القصير تمرينا ولا ترويدا، ليس القصير مقدمة تجارية للطويل، ليس القصير مدرسيا، ولا هو اختصار تلفزيوني، ولا لربح “لاجريمان” (رخصة الممارسة المهنية)، ولا هو في متناول الجميع، وليس تبسيطا ولا مدخلا.

وإنما هو فيلم مكتمل في حد ذاته، إنما هو فن الشذرات، إنما هو المنمنة والقصة الصغيرة والسوناتا السينمائية، هو موجز التعبير، مؤسس كتابة الشذرات.. بليغ، محارب للسينما السفيهة، إنما هو معرفة وفن رفيع وسياسة، فهو التاريخ مع الأخوين لوميير، وتجديد ثوري مع الهاتف المتنقل اليوم، إنه الرائعة مع كريس ماركر وشادي عبدالسلام، إنه تحفتا بونويل “الكلب الأندلسي” ووودي آلان “كارثة أودبوس”.

مسؤولية صعبة

في سياق آخر ترى المخرجة الشابة أسماء المدير بأن الفيلم القصير مسؤولية، وهو تجربة أصعب من الفيلم الطويل. أولا، لأنه يمكن أن يجعل منك مخرجا مبدعا في المستقبل أو مخرجا فاشلا. لا أعمم لأن هناك مخرجين كبار، أفلامهم القصيرة كانت أحسن بكثير من الطويلة. فبالرغم من طابع القصر الذي يمكن أن يتصف به على المستوى الزمني والمكاني، ومن عدد المشاهد التي يمكن أن يتضمنها، فإن ذلك لا يجعل صناعه في وضعية مريحة، إذ ينتظر المتلقي في كل دقيقة أو كل ثانية من الفيلم القصير معلومة جديدة.

فاللقطات تكون مركزة لا تتحمل السهو كما هو حال الفيلم الطويل، ولا تسمح بقتل الثواني والدقائق على حساب تمطيط القضية. فمنذ أول لقطة يجب على المخرج أن ينغمس في الموضوع، ومع ذلك يبقى الرهان صعبا في القصة القصيرة، فإما أن يكسب المخرج المتلقي إلى آخر لقطة وإلى ما بعد الجينريك، وإما أن يسقط المخرج في الرتابة فيمل المتلقي ويشرع في عدّ اللقطات والمشاهد الزائدة التي كان عليه أن يحذفها.

ومن المشاهدين من يتقمص دور المخرج فيغير العنوان وما إلى ذلك، فالمخرج الذي يفشل في شدّ المتفرج خلال دقائق معدودات، مثلا، لا أظن أن المشاهد سيثق به حين يدخل غمار الفيلم الطويـل الذي قد يمتد إلى ساعتين.

الشريط القصير يتمركز حول الاختيارات السردية عوض الإكراهات الاقتصادية والأخلاقية والاستلهامية

إذن، أُشبه الفيلم القصير بما كان يقوله شهريار للنساء قبل قتلهن: احك حكاية وإلاّ قتلتك. لا مجال للتماطل في الفيلم القصير. ومن استطاعت منهن أن تحكي حكاية لشهريار -أتحدث عن شهرزاد- دخلت التاريخ ونجت من الموت، والموت في السينما هو مزبلة التاريخ. هذا حال الفيلم القصير: الناس أذكياء والتاريخ لا يحتفظ إلاّ بالأقوياء.

ويرى المخرج الحسين شاني بأن الفيلم القصير تكون مدته أقل من 30 دقيقة كما هو متعارف عليه، فقد خلص إلى أن أول نصيحة تقدم لمن أراد أن يصبح مخرجا هي البداية بالأفلام القصيرة، فالفيلم القصير بالنسبة إليه تمرين في السينما من حيث الكتابة والتصوير وإدارة الممثلين.

فبالرغم من توفر كاميرات رقمية تسمح لأي شخص أن يصور فيلما، تبقى الصعوبة في الفكرة والأسلوب والقدرة على إنتاج معنى في حيز زمني قصير، فكثير من المخرجين يصنعون أفلاما قصيرة غامضة تحت عنوان التجريب ليصبح الفيلم غير مفهوم بالمرة. أنا مع البساطة في الفكرة والمعالجة والعمق في المضمون. ويعتقد المخرج محمد كومان بأنه لا يمكن اعتبار الفيلم القصير امتدادا للفيلم الطويل -عمليا- من حيث الإيجاز والتكثيف، كما لا يمكن اعتبار القصة القصيرة إيجازا وتكثيفا للرواية.

الفيلم القصير فن مستقل بذاته فن يرتكز على الموقف، وليس على البناء السردي المبني على الحبكة في الفيلم الطويل، حيث الحبكة تصنع الحدث وتدفع السرد وقصة الفيلم الطويل نحو الأمام.

يملك الفيلم القصير مجموعة من الخاصيات التي تجعله متميزا ومتفردا عن باقي الأجناس السينمائية الأخرى من حيث المساحة الزمانية والمكانية الحكائية والتكثيف البصري والخطاب السينمائي القريب من التجريد، إن لم نقل المجرد، وتدفق للصور ذات معنى ترتبط في ما بينها، لتنتج معنى يدفع المتلقي إلى خلق معنى خاص به حسب تفاعله مع الفيلم، أو أن يستنبط معاني أخرى لهذه الصور المتدفقة.

المتلقي ينتظر في كل دقيقة أو كل ثانية من الفيلم القصير معلومة جديدة، فاللقطات تكون مركزة لا تتحمل السهو

وهذا ما جعله يفرض نظاما خاصا به ومن أجله، ثم خلق مجموعة من المهرجانات والملتقيات والبرامج التلفزيونية لكي تقدمه في عروض خاصة.

الفيلم القصير هو بداية حلم كل مخرج داخل ذواتنا، وصلنا إلى هذا الحلم أو لم نصل، تبقى تجربة لنعبر عن رؤيتنا ونظرتنا حول عالمنا هذا.

عدو سريع

يرى المخرج هشام العسري بأن الفيلم القصير بمثابة العدو السريع، تخصص أولمبي بامتياز. إنه القدرة على تجاوز الحدود المتعلقة بسرد القصص، ومناهج السرد، والخيال، والوسائل التقنية.

باختصار، إنه مختبر.. ويمثل بالنسبة إليه صيحات وهمسات، وهو في نفس الوقت مظاهرات ضد القوى الاقتتالية، وإعلانات للحب تجاه العالَم. فالمسألة متعلقة بالدفاع عن مجال لا أحد يتوق إليه، ويخص الخيال والحساسية والنعمة. ويتمركز الفيلم القصير حول الاختيارات السردية عوض الاكراهات الاقتصادية والأخلاقية والاستلهامية. فالحديث عنه يعني الإشارة بالبنان إلى عالم مفعم بالحياة تكون فيه التأملات مشخصة من قبل الجميع، ولكن المبررات تكون شخصية كليا.

هكذا، فالفيلم القصير وسيلة متميزة لمقاربة السينما، إذ يتيح قصره التركيز وضغط العالم في لحظات، وهو يتداخل مع كافة أشكال التعبير القصيرة والمينيمالية من حيث أنها تسعى إلى الاختزال والتكثيف والتذويت.

16