الفيلم الوثائقي "المشحم" دمشقيون يجوبون الريف ويكفنون أضاحي الحرب

الجمعة 2014/05/16
"المشحم" تجسيد للحمة المكان الواحد من أجل وطن للجميع

دمشق - لا غرباء في الحرب، حس عال بالإنسانية يجمع السوريين ويوحد آلامهم، أسرة واحدة لا تجمع بينهم أية قرابة، كبار وصغار، نساء ورجال، اجتمعوا في مدرسة بحي جوبر شرقي “غوطة دمشق”، حيث تحولت هذه المدرسة إلى “المشحم”، هناك يستقبل القائمون الشهداء لتغسيلهم وتوثيق أسمائهم استعدادا للدفن ثم التواصل مع ذويهم.

تلتقط الكاميرا تفاصيل المكان لتعيد تكوينها في ظل الموت المسيطر، الطاغي على كل شيء، أصوات القصف والرصاص لا تنقطع، لكن هذا لا يمنع سكان المشحم من الطبخ والغناء وتبادل المزاح كأنهم في منازلهم.

فضاء المدرسة تحول إلى مشفى كبير، الشاش والقطن عوضا عن الدفاتر، الكاميرا تتحرك بعفوية بين الموجودين، لا الأحياء منهم فقط، بل الشهداء، دماؤهم، روائحهم، أسماؤهم المعروضة أمام الجميع، كل يوم يضاف إليهم واحد أو اثنان، أعدادهم محكومة بالجنون الذي يمارسه النظام، وسعيه لاغتيال غوطة دمشق، لكن البشر أقدرعلى مواجهة عشوائية القصف.

“زكّور” هو البطل الهامشي، مقاتل سابق في الجيش الحر تفرغ الآن لإسعاف المصابين، كان سائقا إلا أنه باع منزله وسيارتيه واشترى سيارات لإسعاف الناس ونقلهم.

لا يعمل في سبيل أحد سوى حرمة أولئك الشهداء، يتهكم الشيخ في الفيلم “نظام الأسد يقولون عنه إرهابيا!”، زكّور ينقل الشهداء لمثواهم الأخير، عمله لاحق بالموت، هو يرتب الفوضى التي يثيرها بحضوره المفاجئ، إلا أن الموت لم يستثنه، أصيب بقذيفة، استشهد، جسده العجوز لم يكن قادرا على ثقل الموت فانشطر، لم يعلم أحد أين ساقيه، لعلهما الآن مسرعتان نحو جريح ما.

الموت في “المشحم” يتجسد كضيف ثقيل لا بد من استقباله، هو على تماس مباشر مع الجميع الذين اعتادوه، الأطفال هم الأكثر عفوية في علاقتهم مع الموت، يبكون، يقرأون الفاتحة، ثم يعودون إلى اللعب والغناء، هل يمكن للأغنيات أن تردّ عدوان نظام يستهدف اللمعة في عيونهم؟ لأن البكاء “يحرق قلوب الموتى حزنا”.

هناك علاقة شعرية بين داخل المشحم وخارجه، الداخل آمن، الكل فيه متساوون، شهداء وأحياء، أما الخارج مليء بالذكريات المتناثرة بين الحجارة والركام، محكوم بالموت العبثي، في الخارج الجميع يخسر شيئا، أخا، ابنا، منزلا.

لكن بعفوية تبقى الزهور، حيث يعود زكّور قبل استشهاده إلى المشحم حاملا زهورا من جدار أحد المنازل، تقول صاحبة المنزل الذي دمر: “نحن كهذه البراعم، لا بد أن نتفتح يوما، سنعيد تعمير كل ما تهدم”.

يتناول الفيلم حياة الشخصيات قبل وبعد الثورة، قبلها كل منهم يتحدث/ يسرد عن حياته ومهنته سواء بائع خضار، أو معلم تمديدات صحية، في حين ترسم الصورة حياته الآن بعد 3 سنوات من الثورة، أحدهم يحفر القبور.

الآخر تحول من “معلم رخام” إلى طبيب تعلم التخدير والجراحة على يد أطباء آخرين فلسطينيين، الثورة غيرت كل شيء، كلهم قرروا ترك حياتهم الاعتيادية والوقوف إلى جانب الشهداء، هذا أقل ما يمكن فعله.

يلتقط الفيلم حياة مجموعة من المدنيين بريف دمشق كرسوا أنفسهم لتغسيل وتكفين وتوثيق الشهداء

أحدهم، يرفض الخروج وترك “جوبر”، سيبقى تحت القصف، الشهداء لا يتركون وحدهم، لا بد للغرباء أن يتدخلوا، قد يُفاجأ أحد ما بأخ أو بابن له، فيعجز عن الحراك، تعاون الجميع هو ما سيحافظ على حرمة الأجساد.

ذات الشخص يرفض حتى أخذ أطفاله للتنزه خارجا، وجودهم خارجا على مرأى الباقين جرح لكل من فقد ابنا أو فقدت زوجا، عليهم أن لا يروه كي لا تعود جراحهم للنزيف، تفان حتى النهاية في سبيل الشعب السوري، أولئك البسطاء، القائمون على “المشحم” وغيرهم، هم من يبقي الثورة على قيد الحياة.

الأطفال يبقون على نقائهم، إحدى الفتيات في المشحم تقول: “كنت أتساءل ما الذي كان يحدث في المدرسة ليلا حين نكون في المنزل..؟”، ثم تجيب عن تساؤلها بنفسها ضاحكة: “الآنسات يكفنن الشهداء ويشربن الشاي..”.

أمام هذا التساؤل يقف مشاهد الفيلم مصدوما لعمق التأثير الذي تركته الثورة في سوريا، القتل والقمع جعل الأطفال يدركون تفاصيل ما كان عليهم معرفته، أنواع الطائرات، أسماء المدافع، النظام السوري اغتال الطفولة في صميمها، الخوف لدى الأطفال لم يعد من الموت، بل من الغياب.

وثائقي “المشحم” من إنتاج فريق “شرارة آذار” الإعلامي الذي عمل على تغطية أحداث الثورة السورية منذ بداياتها وإصدار جريدة بنفس الاسم، فريق العمل أمضى ثلاثة أيام في المشحم لتصوير الفيلم الذي اختزلوا من خلاله ما يمرّ به الكثيرون من الناس العاديين وسكان المناطق التي تتعرض للقصف من قبل النظام في سوريا.

الفيلم لا يستخدم تقنيات متطورة، وأسلوب الإخراج مشابه لأغلب الأفلام التي تتحدث عن الثورة في سوريا، حيث يركز على الحدث بعيدا عن النواحي الفنية والجمالية المتعلقة بتكوين الصورة، إلاّ أنه يوثق جزءا مما تمرّ به سوريا.

16