الفيلم وإشكالية الهوية العربية

لا شك أن الأصل العربي للمخرج يلعب دورا في تشكيل هوية الفيلم، ولكن يجب أن يكون الفيلم نفسه يعبر عن قضية أو عن هم من الهموم العربية، أي عن قضايا إنسانية ترتبط بوطن المخرج وشعبه.
الأربعاء 2018/06/20
ما الذي يحدد هوية الفيلم العربي

ما الذي يحدد هوية الفيلم العربي؟ هل هي اللغة؟ أم الموضوع، أصل المخرج، أم جهة الإنتاج؟ وكيف يتم التعامل مع أفلام تنتج من خارج العالم العربي، خاصة عندما يكون مخرج الفيلم من أصل عربي، أو من العرب المهاجرين أو المغتربين الذين يعملون في نطاق السينما الغربية؟

سؤال الهوية أصبح سؤالا شائكا معقدا بعد أن أصبح الفيلم لا يمكن نسبته ببساطة إلى جهة إنتاج واحدة، بل ولم يعد من الممكن معرفة صاحب الحصة الأكبر في الإنتاج، وهل التمويل هو الإنتاج، أم أن جهة الإنتاج هي الجهة التي تبادر إلى تبني مشروع الفيلم وتسعى للحصول على التمويل من جهات مختلفة، ثم تتولى إنتاج الفيلم بشكل عملي، وإذا كان الإنتاج غير التمويل، فلماذا ننسب أفلاما ظهرت نتيجة التمويل الفرنسي للسينما العربية رغم عدم حصولها على أي دعم عربي، باستثناء بعض الخدمات السينمائية التي استأجرتها، أي تسهيلات التصوير وبعض المساعدين و”الكومبارس” المحليين.

لا شك أن الأصل العربي للمخرج يلعب دورا في تشكيل هوية الفيلم، ولكن يجب أن يكون الفيلم نفسه يعبر عن قضية أو عن هم من الهموم العربية، أي عن قضايا إنسانية ترتبط بوطن المخرج وشعبه، ومن دون ذلك كيف يمكن الحديث عن هوية عربية للفيلم؟

لا أعتقد أن مسألة الهوية العربية ذات علاقة بالمستوى الفني للفيلم، فأقل الأفلام التجارية المصرية يمكن أن يتمتع بهوية واضحة، شريطة أن يكون “أصيلا” في معالجة موضوعه، أي لا يكون منقولا عن فيلم أجنبي، يكرّر أفكاره الغريبة.

أعتقد أن الموضوع ومستوى التناول، أي طريقة التعامل مع الموضوع سينمائيا هي التي تمنح الفيلم هويته، فليس من الممكن أن نأتي بمخرج أجنبي، بريطاني أو أميركي مثلا، ثم نكلفه بإخراج فيلم عن علاقة الإنسان العربي بالصحراء، أو للتعبير عن سكان مدن القصدير والمهمشين الذين يعيشون في الأكواخ الواقعة خارج نطاق المدن العربية، ونتوقع منه أن يتعامل مع الموضوع كما يتعامل معه المخرج العربي الذي يلمّ بأطراف الموضوع شريطة أن يكون تعامله مع الموضوع تعاملا جديا وليس سطحيا، وهي مسألة تتعلق أيضا بطريقة التناول وأسلوب الإخراج.

لقد برزت في الآونة الأخيرة فكرة يكرّرها بعض النقاد مفادها أن هوية الفيلم إنتاجيا تنسب إلى ما يطلقون عليه “بلد المنشأ”، أي الدولة التي توجد فيها الشركة الأولى التي بادرت لتبني إنتاج الفيلم حتى لو شاركت في إنتاجه عشر شركات من بلدان مختلفة، أو بالأحرى الشركة ذات المساهمة المالية الأكبر في الإنتاج.

أنتجت قطر فيلما بعنوان “الذهب الأسود” عام 2011، أخرجه المخرج الفرنسي جون جاك أنو بلغت ميزانيته 55 مليون دولار، أي أنه يعتبر بالمقاييس الإنتاجية العالمية فيلما من الإنتاج الضخم، وقد كتب له السيناريو المخرج بالاشتراك مع كاتبين فرنسيين، وجميع الممثلين الرئيسيين في الفيلم من الأجانب منهم الإسباني أنطونيو بانديراس مع الممثل الجزائري الأصل طاهر رحيم، وكتب له الموسيقى الموسيقار الأميركي الراحل جيمس هورنر، وصوّره جونماري دروجو.

هذا الفيلم الذي توفرت له إمكانيات كبيرة ويفترض أنه يصوّر حياة سكان الجزيرة العربية وصراعاتهم القبلية قبل ظهور النفط، فشل فشلا ذريعا ولم يحقّق شيئا لمنتجيه.

وبغض النظر عن الفشل التجاري والفني، هل يمكن اعتبار هذا الفيلم فيلما عربيا؟ لقد قامت قطر بتمويله بالكامل مع شراء خدمات إنتاجية من تونس وفرنسا وإيطاليا، ونسخة الفيلم التي قامت بتوزيعها شركة أميركية كبرى ناطقة بالإنكليزية.

أتصوّر أن الاستناد على العامل المتعلق بجهة الإنتاج الأصلية لا يكفي لاعتبار الفيلم منتميا إلى السينما العربية، بل لا بد أن يكون الفيلم منتميا انتماء ثقافيا للقضايا والهموم العربية، أما مجال الحكم الفني من حيث الصدق في المعالجة والتناول فيبقى مطروحا للحكم عليه من جانب الجمهور والنقاد، ولا شك أيضا أن “اللغة” جزء أساسي من الهوية، ولكن هذا موضوع آخر.

16