الفيلم والعمارة

الأربعاء 2015/02/18

فن الفيلم مثل فن العمارة، فمن غير بناء ليس هناك فيلم، والبناء السينمائي معناه وجود سيناريو مسبق -مهما كان- يسمح بنوع من الارتجال أثناء التصوير.

والبناء الجيّد هو أساس الفيلم الجيّد، أي معرفة من سيفعل ماذا، وأين، وكيف، ومع من؟ وكيف سيتجه مسار الحكي في الفيلم، بشكل صاعد أو متعرج أم على شكل دائرة مغلقة تعود إلى نقطة البدء، أم سيعتمد على تكسير وحدتي الزمان والمكان، أي الانتقال في الزمان، بين الماضي والحاضر وربما القفز أيضا إلى المستقبل، والانتقال من مكان إلى آخر، دون التسلسل أو الخضوع لمنطق تقليدي، بل للغة الشعر الحرّ؟

ثم نأتي إلى تساؤلات مثل: أين سأضع الكاميرا، وكيف سـأحركها، وأين ستتوقف اللقطة، وأين تبدأ اللقطة الأخرى، وما العلاقة بينهما، وما الذي سأتركه إلى مرحلة القص واللصق وإعادة الترتيب، أي المونتاج؟

يجب أن تكون لدى مخرج الفيلم معرفة بالتصميم المعماري وأنواعه، من الكلاسيكي إلى ما بعد الحداثي. ومن المؤكد أن المخرج لا يحدّد شكل الفيلم مسبقا، أي قبل أن تكون لديه قصة أو حتى خاطرة معينة، يمكنه أن يبني عليها السيناريو التخيّلي، في ذهنه أولا، ثم على الورق، وأخيرا أثناء التنفيذ.

إن شكل البناء يأتي تلقائيا مع وضوح الموضوع تدريجيا، زمانه ومغزاه ونظرة الفنان إليه، وكما تفرض المواقف زوايا النظر إليها بالكاميرا، يتحدّد شكل البناء السينمائي طبقا لموضوع الفيلم كما يراه صاحبه، أو المخرج صاحب الرؤية الذي لا يكتفي فقط بتنفيذ السيناريوهات التي يكتبها غيره، بل يتدخل ويعيد الصياغة كما يرى، وهذا هو المخرج-المؤلف، الذي يتجاوز الجانب الحرفي، ويعلو بالعملية الإبداعية إلى مستوى الفن التشكيلي والأدب والشعر.

كان السينمائي الفرنسي الكبير، جون لوك غودار، يقول «إن زاوية الكاميرا “قطع” في الواقع، مثل القارب في الماء»، فهي ذات علاقة بالشكل، لكن المضمون في صلبها؛ فالقارب يقطع في الماء، لا لكي يلعب دورا شكليا مع الماء، بل لكي يؤدّي غرضا ووظيفة، والزاوية تولد مع النظر إلى الواقع الموجود حول الكاميرا.

والفيلم العشوائي مثل البناء العشوائي، لا أصل له ولا فصل، لا تعرف مبتداه من منتهاه، ولا كيف تتعامل معه جماليا، فهو نتاج عقل مضطرب، مشوّش، يريد أن يسدّ الخانات بأيّ شكل وبأية طريقة، حتى لو بدت النوافذ غير متساوية في منسوباتها وأوضاعها، واحدة على الجانب، وأخرى في الوسط، وثالثة إلى أعلى.

ولساكن البناء العشوائي الحق في التحايل والتغيير والتبديل والهدم وإقامة السواتر والشبابيك كما يحلو له. وفي الفيلم العشوائي يكون التمثيل كيفما اتفق، أي أن المخرج لا يملك أن يفرض طريقة أو أسلوبا محددا على الممثلين، خاصة إذا كانوا من المشاهير.

العمارة فن يقوم على الجمال، والفيلم الجيّد يجب أن يقوم على العقل الهندسي، بل حتى في تجسيد الفوضى، فهي تكون فوضى ظاهرية فقط، تخفي في طياتها، تنظيما دقيقا للأشياء.


ناقد سينمائي من مصر

16