القابلية للتعصب

الاثنين 2014/02/10

على منوال القابلية للاستعمار التي تكلم عنها مالك بن نبي، بوسعنا الكلام أيضاً عن القابلية للتعصب، وهي قابلية راسخة وضاربة جذورها في اللاّوعي الجمعي، ويمكن رصدها من خلال مجمل نقاشاتنا اليوميّة حول حرية المعتقد والمساواة بين الجنسين وحقوق الأقليات وكونية حقوق الإنسان، ونحو ذلك.

في كل الأحوال يبقى التعصب دليل ضعف وهشاشة، ويبقى التشدّد دليل اضطراب في الرّأي وفقر في الموقف ونقص في الحجّة، ويبقى العنف باسم الإسلام علامة عطب عقائدي يقتضي إصلاحاً صريحاً. وهذا رأينا:

أساس القابلية للتعصب عدد من المفاهيم الفقهية الرّاسخة في لاوعينا الجمعي، والتي تمثل في مجملها مركز الثقل الأيديولوجي لقوى التعصب، ونذكر من بينها ما يلي:

1 - مفهوم الجماعة: بحيث يتوهم المسلم المتعصب بأن الأسلم له أن يلتزم برأي وسلوك الجماعة التي ينتمي إليها، أكانت جماعة بيولوجية أم جماعة أيديولوجية، فيذوب الفرد في ثقافة الجموع وغريزة القطيع. وهذا من شأنه أن يفاقم غربة المسلم وسط حداثة سياسية قائمة على أساس استقلال الفرد بذاته من حيث هو مواطن، وناخب، ومتعاقد، وصاحب رأي، وله حقوق، ويملك إرادة ورغبة وطموحاً، إلخ.

2 - مفهوم البيعة: بحيث يظنّ المسلم المتعصب بأنّ إسلامه لن يكتمل ما لم يبايع أميراً أو مرشداً أو إماماً على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره (كما يقولون). وهذا ما قد يفاقم من غربة المسلم المتعصب وسط حداثة تقوم على المساواة والتداول والتعددية والتوافق والمحاسبة وفصل السلط إلخ.

3 - مفهوم الطاعة: بحيث يظنّ المسلم المتعصب بأنّ على البعض أن يطيع البعض الآخر، فيطيع الولد والده، وتطيع المرأة زوجها، ويطيع المريد شيخه، ويطيع الجمهور إمامه أكان الأمر يخصّ إمامة الصلاة أم يخصّ الإمامة العظمى، وبذلك النّحو ينشأ مجتمع السّمع والطّاعة. وهذا ما يناقض مقتضيات الحداثة السياسية والتي تفترض أن تكون العلاقات بين الأفراد قائمة على الاستقلالية والتكافؤ والتحاور والتوافق.

4 - مفهوم الولاء والبراء: بحيث يظهر المسلم المتعصب مشاعر الودّ لأخيه المسلم لمجرّد أن يكون مسلماً مثله، ويضمر الكره والبغضاء للآخر غير المسلم لمجرّد أن لا يكون مسلماً على طريقته. وعلى هذا النّحو يصبح المسلم في حالة انسحاب وجداني من عالم مركب/معقد/ متشابك ولا ينخرط فيه سوى في مستوى استهلاك التقنية واستعمالها كما لو أنها غنيمة حرب لا أقل ولا أكثر.

5 - مفهوم الفرقة الناجية: بحيث يظنّ المسلم المتعصب بأنّ الناس مهما تفرقوا إلى أحزاب وآراء ومذاهب واتجاهات، فلن ينجو من العذاب الأخروي في الأخير سوى فريق واحد على دين واحد، على مذهب واحد، على رؤية واحدة، وحده يكون على صواب والباقي في ضلال مبين. وليس هناك من مجال للشك في أنّ هذا التصور هو مبعث كل الفتن والحروب الدينية على مدار التاريخ سواء في الإسلام أو في أوروبا.

6 - مفهوم دار الحرب ودار الإسلام: بحيث لا يرى المسلم المتعصب في العالم غير الإسلامي (روسيا، أمريكا، الهند، الاتحاد الأوروبي) سوى هدف حربي معلن أو مؤجل، وحقل للغزو والغنيمة، ما يجعله في حالة صدام نفسي مع متطلبات الحضارة المعاصرة. وإن كنا نقرّ بأنّ القانون الدولي ليس منصفاً في بعض أحواله إذ يحتاج إلى تطوير وإصلاح، فإنّ آفة الإنسان المتعصب هي أنّه يرفض فكرة وجود قانون دولي من الأساس، ويُفضل تسويات مؤقتة لا تزيل حالة الاحتراب؛ طالما لا يوجد سلام حقيقي قبل سيادة “شرع الله”.

يقوم أساس تلك المفاهيم الفقهية على نفس الآلية: انتقاء آية متشابهة وحمّالة أوجه، وبضعة أحاديث ضعيفة، مرسلة أو مقطوعة وأقوال صحابية وتابعية وتابع تابعية وآلاف الفتاوى والاجتهادات الفقهية ذات الأحكام الترجيحية، لتأخذ في الأخير مكان “معلوم الدين بالضرورة”، وهنا مكمن العطب.


* كاتب مغربي

9