القادة الأتراك على مر العصور يصورون البلاد معرضة لمؤامرة

إلقاء اللوم على قوى خارجية شريرة في كل العلل والترويج لقائد لتوحيد الأمة هي فكرة قديمة. لكن العديد من الناس في تركيا، بمن فيهم الحكام، يدركون مغالطة هذا التقليد، لكنهم ما زالوا يستخدمونه.
السبت 2018/09/15
الترويج لقائد لتوحيد الأمة هي فكرة قديمة

عندما خسرت الليرة التركية نحو 40 في المئة من قيمتها مقابل الدولار هذا العام، تمكن الرئيس رجب طيب أردوغان ومعظم وسائل الإعلام التركية من تصوير الأزمة الاقتصادية على أنها “مؤامرة عُملة” تنفذها قوى خارجية.

هذا النوع من الخطاب ليس جديداً. ففي العام 1989، قال تورغوت أوزال، الذي سيطر على السياسة التركية في أواخر ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي كرئيس للوزراء ثم كرئيس، “كلما أصبحت تركيا قوية، تشرع دوائر معينة في ممارسات شائنة”. عندما سئل أوزال عن هوية تلك الدوائر المعينة، قال “يعرفها الجميع.. ولا توجد حاجة لإعطاء أسماء”. هذا الموقف من إلقاء اللوم على القوى الخارجية للأشياء التي تسير على نحو خاطئ له تاريخ طويل.

منذ أواخر العهد العثماني حتى الوقت الحاضر، لم يكن لدى تركيا فترة واحدة دون “أعداء داخليين وخارجيين”. بدءا من عام 1880، وقد بلغ الأمر ذروته خلال الإبادة الجماعية لهم في عام 1915 عندما جرى توجيه الاتهام للأرمن بالتعاون مع الروس. خلال السنوات الأولى من الجمهورية، كانت الثورات الكردية مرتبطة بالمؤامرات البريطانية.

 حتى الآن يتم تصوير زعماء المتمردين الأكراد في عشرينات القرن العشرين مثل الشيخ سعيد في التاريخ الكمالي باعتبارهم عملاء بريطانيين. خلال الحرب الباردة، جرى وصف أي نوع من المعارضة للدولة التركية بأنه تهديد شيوعي، وشعر تيار اليسار السياسي برد فعل عنيف.

عدنان مندريس، أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في تركيا في عام 1950، تحدث عن “أعداء البلاد الداخليين والخارجيين… أولئك الذين لا يشعرون بالسعادة لنهوض تركيا”. وهذه نفس الكلمات تقريباً التي يقولها أردوغان الآن بعد ستة عقود.

سليمان ديميرل، رئيس الوزراء سبع مرات بين عامي 1965 و1993، كثيرا ما أشار إلى “أولئك الذين يريدون تفكيك تركيا”.

غالباً ما يضاف إلى نظريات المؤامرة وإلقاء اللوم على القوى الخارجية عبارة “لقد فعلوا ذلك في الماضي أيضاً”.

عقد أردوغان أحد أحدث تجمعاته ضد “مؤامرة العملة” في 26 أغسطس، في ذكرى انتصارين لتركيا، أحدهما ضد البيزنطيين في عام 1071 م، والآخر ضد اليونانيين في عام 1922. بهذه الطريقة، يتم تذكير المجتمع بأن المؤامرات الحالية من قبل القوى الخارجية ليست سوى استمرار لاعتداءاتهم السابقة.

وعلى الرغم من أنها لم تظهر في خطابات أردوغان الأخيرة، إلا أن أحد العناصر المهمة في هذا الخطاب هو معاهدة سيفر عام 1920، التي اقترحت تقسيم الإمبراطورية العثمانية وتنازلت عن الأرض للأرمن واليونان والأكراد، الذين يعتبرون بصورة تقليدية أعداء تركيا الثلاثة الأوائل.

جميع أطراف الطيف السياسي، من اليسار أو اليمين، من المحافظين أو الليبراليين، أشاروا جميعاً في وقت واحد إلى معاهدة سيفر كدليل على أن القوى الخارجية تريد إضعاف تركيا وتدميرها، وهي وجهة نظر تُعرف باسم متلازمة سيفر.

من الأمور المهمة ملاحظة هنا أنه على الرغم من أن إلقاء اللوم على المؤامرات الدولية وجعل المراجع التاريخية غير ذات صلة أمر شائع في كل طبقة من طبقات السياسة، إلا أن الأيديولوجيات المختلفة تلقي الضوء على تهديدات مختلفة. فعلى سبيل المثال، أشار نجم الدين أربكان، وهو أول رئيس وزراء إسلامي في البلاد من عام 1996 إلى عام 1997، إلى معاهدة سيفر على أنها “مشروع إسرائيل الكبير”. تحظى نظريات المؤامرة المعادية للسامية بشعبية كبيرة لدى الإسلاميين. في المقابل، يتهم الكماليون العلمانيون الإسلاميين بالتواطؤ مع إيران.

إن فكرة وممارسة إلقاء اللوم على قوى خارجية شريرة في كل العلل والترويج لقائد لتوحيد الأمة هي فكرة قديمة. لكن هناك نقطة مثيرة للاهتمام وهي أن العديد من الناس في تركيا، بمن فيهم الحكام، يدركون مغالطة هذا التقليد، لكنهم ما زالوا يستخدمونه. ويظهر تسجيل مصور قديم لأردوغان من وقت لآخر حيث يتحدث عن “إشكالية تقليد إلقاء اللوم على القوى الخارجية عندما تسوء الأمور”. ما لم يتم التخلي عن هذا التقليد، فإن معالجة مشاكل تركيا الحقيقية أمر مستبعد.

9