القارئ العربي تائه بين تعدد الترجمات

دار الآداب لعبت دورا هاما في التعريف بالوجودي من خلال ترجمة مؤلفات أعلامها، في حين اهتمت دار الفارابي بالفكر السياسي.
الثلاثاء 2019/08/06
النص الأصلي والقارئ ضحيتا سوق الترجمة (لوحة للفنانة نور بهجت الناصري)

غالبا ما يقف القارئ العربي محتارا بين ترجمات عديدة للكتاب الواحد، يجدها تتربع فوق رفوف المكتبة أو معارض الكتب العربية. هذه الظاهرة التي نجدها تتكرّر غالبا تكاد تقتصر على الرواية العالمية بسبب الإقبال الواضح على قراءتها من قبل القارئ لأكثر من سبب، والسؤال هنا: هو من المسؤول عن هذه الظاهرة التي تتسبب في ضياع المجهود الذي يبذله أكثر من مترجم في ترجمة هذا العمل؟ إن الجواب لا يحتاج إلى الكثير من البحث، فالناشر الذي يتواطأ مع المترجم مستغلا سوق النشر يجعل كلاهما مسؤوليْن عنها.

في الستينات من القرن الماضي كانت الترجمة تتركز بصورة أساسية عن الأدب والفكر الغربيين والأدب السوفييتي، وكانت خارطة النشر تتوزع وفقا لتوجهات أصحاب الدار السياسية والفكرية. لذلك فإن قراءة أسماء الدور التي كانت تهيمن على صناعة النشر مثل دار الآداب والمؤسسة العربية للنشر ودار ابن رشد ودار الفارابي ودار التقدم ودار دمشق كانت كافية لمعرفة توجهات هذه الدور في النشر وإن كانت هناك بعض الاختراقات التي تحدث في هذه السياسات لأسباب مختلفة.

عاملان مهمان ساهما بصورة كبيرة في هذا التوجه، العامل الأول هو الخلفية السياسية والفكرية لأصحاب هذه الدور، والعامل الثاني هو المزاج العام للقارئ العربي في تلك المرحلة وتأثره بالمناخ الفكري والسياسي السائد.

يمكن أن تكون ترجمة الرواية هي أقل إشكالية في تعدد الترجمات، بينما تظهر الفوارق كبيرة في ترجمة الشعر. وتزداد هذه المشكلة صعوبة بسبب طبيعة اللغة الشعرية المجازية وتأويلاتها في الترجمة

لعبت دار الآداب دورا هاما في التعريف بالوجودي من خلال ترجمة مؤلفات أعلامها، في حين اهتمت دار الفارابي بالفكر السياسي وكانت الرواية الغربية في طليعة ترجمات دار ابن رشد، بينما تولت دار التقدم السوفييتية ودار دمشق مهمة ترجمة الأدب السوفييتي والفكر الماركسي. كل هذا جعل عمليات الترجمة تخضع لاعتبارات محددة، كان من أهمها أيضا الفوز بجوائز نوبل للآداب. وعلى غرار دور النشر العالمية كانت هذه الدور تسارع لاستغلال هذه المناسبة وما يرافقها من دعاية لترجمة أعمال هؤلاء الفائزين، كما حدث في النصف الأول من السبعينات عند فوز غابرييل ماركيز وبابلو نيرودا بهذه الجائزة، حتى أصبح القارئ العربي عاجزا عن معرفة أيها الترجمة الأفضل لأعمال هذين المبدعين. إن هذه الانتباهة القوية التي سببها فوز هاتين الشخصيتين جعلت دور النشر تتسابق على ترجمة أدب أميركا اللاتينية، لكن موجة هذه الترجمة أخذت تتراجع مع ظهور موجات جديدة من ترجمة الأدب مع كل اكتشاف لأعمال كتاب عالميين بعد التحرّر من سطوة الأدب الغربي على سوق الترجمة.

لقد ساهمت هذه التوجهات لدور النشر في تكوين جانب مهم من وعي أجيال كانت تبحث عمّا يلبي حاجاتها الفكرية والروحية، وكان للمناخ الثقافي والسياسي وما يطرحه من أسئلة آنذاك دوره في تحديد خيارات هذا الجيل.

وفي ما بعد سوف تتحلل دور النشر من هذه المسؤولية، وتبحث عن الكتاب المترجم الذي يحقق لها هذه الغاية بغض النظر حتى عن مستوى الترجمة مع تزايد إقبال القارئ العربي على قراءة الكتاب المترجم.

ولكي لا تظل دور النشر تتحمل المسؤولية وحدها عن واقع الترجمة فقد حكم هذه الترجمات وجود مترجمين عن اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية اللتين كانتا الأكثر انتشارا ثم تلاهم مترجمون عن اللغة الروسية.

وحتى في المراحل اللاحقة التي بدأت دور النشر تبحث عن آداب عالمية لم يترجم عنها كالأدب الياباني فقد كانت وما زالت أغلب هذه الترجمات تتم عن لغة وسيطة، بينما كانت الترجمة عن اللغة التركية عن اللغة الأم لتوفر المترجمين الأكفاء، لكن الملاحظ على هذا الأدب كما بالنسبة إلى غيره ما أن تحظى أعمال كاتب ما بالإقبال عليها حتى يبدأ السباق على ترجمة أعمال هذا الكاتب.

إن استعراض أسماء الأدباء الأتراك الذين تمت ترجمة أعمالهم تظهر أن هذه الترجمة كانت في كل مرحلة تتركز حول كاتب محدد. ولا يختلف الحال بالنسبة للأدب الياباني، ربما كانت دار كلمة الإماراتية هي الوحيدة التي حاولت ترجمة أعمال من الأدب الكلاسيكي الياباني الأمر الذي سد جانبا مهما في معرفتنا بتاريخ هذا الأدب وما شهده من تطور في مراحله اللاحقة.

عاملان مهمان ساهما بصورة كبيرة في هذا التوجه، العامل الأول هو الخلفية السياسية والفكرية لأصحاب هذه الدور، والعامل الثاني هو المزاج العام للقارئ العربي في تلك المرحلة

ولم يكن التسابق بين دور النشر على تقديم ترجمات متعددة لعمل أدبي عالمي يخضع لاعتبارات تخص جودة الترجمة وكفاءة المترجم، بقدر ما هي محاولة لاستغلال الإقبال الذي حظي به هذا العمل أو ذلك عند القارئ. وثمة تواطؤ في هذا السياق بين المترجم والناشر، خاصة وأن أغلب هذه الترجمات تتم دون الحصول على ترخيص من المؤلف أو الجهة الناشرة لأعماله.

أعرف مترجما كان يترك للناشر أن يتدخل في صياغة الترجمة بحجة جودة الصياغة العربية. كان المترجم يتقاضى أجره ويمضي، في حين يبقى الضحية في هذا المستوى من الترجمة هو القارئ، الذي لا يعرف ما هي الترجمة الأكثر أمانة وأي واحد من المترجمين هو الأكثر إخلاصا لعمله.

يمكن أن تكون ترجمة الرواية هي أقل إشكالية في تعدد الترجمات، بينما تظهر الفوارق كبيرة في ترجمة الشعر. وتزداد هذه المشكلة صعوبة بسبب طبيعة اللغة الشعرية المجازية وتأويلاتها في الترجمة ما يضاعف من مسؤوليات المترجم، خاصة إذا كان قليل الخبرة في طبيعة النص الشعري وهو ما نجده في الترجمات التي لم تتوقف حتى الآن لأعمال الشاعر بابلو نيرودا.

المشكلة هنا تتجاوز موضوع الناشر إلى المترجمين ومدى كفاءتهم في ترجمة النص الشعري على صعوبته، لذلك غالبا ما تجد البعض منهم يتهم الترجمات الأخرى بالضعف والخطأ حتى أصبح القارئ للشعر يحتار في اختياراته ومعرفة الترجمة الأكثر استحضارا لروح النص الأصلي وجمالياته. ولذلك يمكن القول إن النص الأصلي والقارئ يبقيان هما الضحيتان في هذا السوق المفتوح للترجمة.

15