القارئ بريء من المصائر البائسة لصحف ومجلات حكومية مصرية

إصدار مجلة جديدة لا يحتاج إلى أكثر من استيعاب ذكاء القارئ، والتواصل معه بعيدا عن الوصاية على خياراته، أو التعالي عليه، وتقديم ما هو أبعد من معلومات متاحة.
الخميس 2018/07/12
البقاء للإبداع

القاهرة - تنص المادة رقم 12 من مشروع يسمى قانون تنظيم الصحافة، وعنوانه الأكثر دقة هو قانون إعدام الصحافة في مصر، على أن “للصحافي أو للإعلامي في سبيل تأدية عمله الحق في حضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة، وإجراء اللقاءات مع المواطنين، والتصوير في الأماكن العامة غير المحظور تصويرها، وذلك بعد الحصول على التصاريح اللازمة”.

وفقا لهذا الشرط الصعب في ظل بيروقراطية بوليسية، لا يكفي أن يكون الصحافي عضوا عاملا في نقابة الصحافيين، وينتمي إلى مؤسسة صحافية، فالأهم من هذه العضوية التي أصبحت قليلة القيمة أن يحصل على “التصاريح اللازمة” لكي يمارس عمله، فإذا تصادف وجوده في موقع حادث طارئ، فلا يحق له جمع معلومات من شهود أو كتابة شهادته نفسها، كما يحظر عليه التقاط صور لتصادم قطارين، أو انهيار مبنى سكني، أو اشتعال حريق في منطاد هوائي وسقوطه اضطراريا في منطقة أثرية، أو ارتطام طائر جارح بحبل غسيل في بلكونة.

ووفقا لهذا التعنت، يحظر أيضا على طبيب يستقل المترو أن ينقذ راكبا مصابا، إلا بعد استخراج تصريح يتيح له ممارسة مهنته.

من العبث أن يفكر صحافي، جعلته المصادفة شاهدا على كارثة، في مغادرة موقعه، واللهاث للحصول على تصريح لن يناله. وقد أدت الصحافة غير التقليدية، إعلام المواطن بقنواته الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أدوارا مهمة وجديدة في التنبيه إلى كوارث والتقليل من حجم المخاطر. ولكن العقليات القديمة تريد حصر الأداء المهني بحدود خيالها الضيق، فتمنح وتمنع، وتجعل الصحافي مجرد موظف يقوم بدور جهاز الفاكس رحمه الله، فيتلقى بيانا رسميا بما يراد للناس معرفته، حتى لو تضمنت الرواية الحكومية تفاصيل تناقض ما رآه ويعرفه.

ولا تستغرب من تردي توزيع الصحف والمجلات المصرية التي تنشر ثرثرات لا تقول شيئا. ولا تندهش إذا كان سطران اثنان في تغريدة للاعب محمد صلاح أكثر تأثيرا من 60 صحيفة ومجلة حكومية وخاصة مضافة إليها أكثر من 20 فضائية حكومية وخاصة.

لتراجع قراءة الصحف والمجلات المصرية علاقة بالمحتوى، فما أسهل أن يقول القارئ إن “الكلام” تشابه علينا، لا فرق بين صحيفة وأخرى، حتى مقالات رؤساء التحرير تستنسخ من أصل غائم يكتبه أحدهم ويوزعه، فتنتقل الألفاظ والأرقام والأفكار حرفيا أو بظلالها، متجولة هائمة من مقال إلى آخر، لا تحول دون ظهور هذا الاستنساخ لطشة موهبة تخفي البعض من معالم نقل حرفي يبدو أنهم مكرهون عليه.

أثناء فرز أوراق الشاعر أسامة عفيفي عثرت على مقال شغل صفحة كاملة في صحيفة “الأهرام” يفسر فيه أستاذ الفلسفة زكي نجيب محمود آية “الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..”، تذكرت أنني حضرت للرجل محاضرة في الجامعة الأميركية، قبل نحو ثلاثين عاما وأنا طالب في جامعة القاهرة، يفسر هذه الآية، وأعدت قراءة المقال كأني أسمع المحاضرة.

القارئ بريء من المصائر البائسة لصحف ومجلات حكومية مصرية يطول عمرها بفضل أجهزة التنفس الاصطناعي

وكنا نسمي الأيام بأسماء كتاب صفحة الرأي في الأهرام، فالثلاثاء يوم زكي نجيب محمود وفهمي هويدي الذي ضاقت به صحف مصر الحكومية والخاصة، والأربعاء يوم عبدالرحمن الشرقاوي، والخميس يوم نجيب محفوظ ويوسف جوهر، والجمعة يوم عائشة عبدالرحمن “بنت الشاطئ”، والسبت يوم لويس عوض، والأحد يوم توفيق الحكيم، والاثنين ننتظر عاصفة “من مفكرة يوسف إدريس”.

وفي السنوات الأخيرة من القرن الماضي أضيفت أسماء: سعدالدين وهبة وأحمد عبدالمعطي حجازي وغالي شكري وعلي الراعي وقدري حفني وجلال أمين ورجاء النقاش وإبراهيم أصلان. وعلى خجل تمكنت ثورة 25 يناير 2011 من تمرير أسماء قليلة موهوبة (محمود قرني وسلامة كيلة ومكاوي سعيد)، وسرعان ما أقصيت مع صعود الثورة المضادة.

وتخصص الآن صحيفة الأهرام ثلاث صفحات يومية للرأي، وباستثناء مقالين أو ثلاثة في الأسبوع لا يفوتك شيء من هذا الركام الخالي من المعنى والجمال، وليست مصادفة ألا تجد بين هؤلاء من ينتمي إلى ثورة 25 يناير التي لا تذكر إلا كمؤامرة خارجية، أو حماقة ارتكبها حمقى حالمون بمصر أكثر عدلا وحرية.

القارئ بريء من المصائر البائسة لصحف ومجلات حكومية مصرية يطول عمرها بفضل أجهزة التنفس الاصطناعي؛ لأنها تسترضي قارئا واحدا، وتتجاهل فضيلة التنوع، ولا تبالي بشعب ينسب إلى حماسته للقراءة توالي افتتاح سلاسل مكتبات متخصصة في توزيع الكتاب العربي والأجنبي، وتأسيس دور نشر جديدة، ونجاح مجلة جديدة اسمها “داليدا”، وهو اسم غريب لمجلة، ولكنه يشبه في حيويته قارئا ذكيا يبحث عن المعرفة، ولا يتنازل عن حقه في المتعة البصرية.

ليس في اسم المجلة خطأ طباعي، نعم “داليدا”، يولاندا كريستينا جيجليوتي، المطربة المصرية الإيطالية الشهيرة بداليدا (1933 ـ 1987)، وقد ولدت في حي شبرا بالقاهرة، ويكفي أن تقول “بنت شبرا” دلالة على داليدا المطربة لا المجلة التي تعرّفها هيئة التحرير بأنها “مصرية إقليمية.. تصدر لأهل شبرا ووسط القاهرة”، وهذا تواضع من مجلة شابة وثرية تهم القارئ العربي، وتقع في 128 صفحة كبيرة القطع.

إصدار مجلة جديدة لا يحتاج إلى أكثر من استيعاب ذكاء القارئ، والتواصل معه بعيدا عن الوصاية على خياراته، أو التعالي عليه، وتقديم ما هو أبعد من معلومات متاحة.

يكفي أن تكون صديقا للقارئ، وتقترب منه بشيء من الحنان، ولو صدمته بوجهات نظر جديدة يجهلها، وأطلعته معارف تخفى عنه. المعادلة باختصار هي كيفية تقديم الأفكار والمعرفة في ثوب غير تقليدي لا يقايضهما بالجمال الفني للمطبوعة مهما تكن متقشفة في نوع الورق، وهذا ما تعيه هيئة تحرير مجلة “داليدا”: سامح الكاشف ومروة فودة وأشرف عبدالشافي ومروة سلام.

العدد الأول من المجلة، كان أشبه بكتاب موسوعي مصور عنوانه “رحلة الأرميني.. بعد مئة عام من المذابح والتهجير”. غوص رحيم في ذاكرة شعب عانى التشريد والمذابح الجماعية، وأصر على البقاء المبدع في كل مكان استقر فيه، ولم ينس حق العودة إلى بلده. أما العدد الأخير فصدر بالتزامن مع مونديال روسيا 2018، وهو عن كرة القدم.

وموسوعة أخرى تذهب بعيدا إلى بدايات البطولة العالمية والفائزين فيها والخاسرين أيضا، مرورا بأبرز نجومها، وصولا إلى الصاعدين الجدد إلى مشهد كروي سيحسم الأحد القادم، 15 يوليو 2018.

تستعيد مجلة “داليدا” ذاكرة بطولة كأس العالم، وتربط بذكاء بين الكرة والسياسة والثقافة والمثقفين، وتزيح ستارا يخفي به متأنقون متكلفون تعاليا زائفا على متعة شعبية تتحقق فيها الديمقراطية إلى حد كبير، وتنتصر للكفاءة والموهبة، وتوحد الشعوب والطبقات.

وتنشر المجلة حكاية ألبير كامي وكيف حرمته جدته من اللعب؛ لكي لا يستهلك حذاءه الوحيد، وتجربة نجيب محفوظ مع كرة القدم، ومقال محمود درويش عن مارادونا، وملامح من سيرة محمد إمام العبد كابتن مصر عام 1900.

18