القارئ في مواجهة الروائيّ

أيّ روائيّ، يكون مدفوعاً برغبة التجريب، وكسر الصورة التي لا يفترض بها أن تحاصره وتبقيه قيد التنميط، فتبديه كمن ينطلق من رغبة الثورة على الصورة التي لا يريدها أن تظلّ محاصرة له.
الاثنين 2018/06/11
التجريب ليس عبثاً ببنية الرواية نفسها، ولا قلباً لفنياتها وتقنياتها

إلى أيّ حدّ يمكن لروائيّ ما أن يقنع قارئه المفترض بأنّ تجريبه الروائيّ هو عمل مميّز وإبداع متفرّد وأن عليه الاقتناع بذلك، والإقرار به، وكتم أيّ انتقاد مضمر وعدم البوح به، لأنّه قد يوصف بأنّه منطلق عن جهل أو عدم قدرة على التقاط المراد من التجريب وخباياه التي تخفي قدرة إبداعية متفرّدة؟

يضع بعض الروائيّين التجريب قناعاً يخفي وراءه انزلاقات عمله، بحيث يحيل أيّ انتقاد لعمله إلى نقطة قوّة، فغياب الحبكة يفسّر على أنّه تغييب مدروس ومشتغل عليه، وانزياحات الشخصيّات وظهورها مبتورة هاربة من مشاهدها، ممسوخة غير قادرة على تجسيد أدوارها، قد تقدّم في سياقات الزعم أنّه تلاعب بها بحِرفية الواعي، لإخراجها من قيودها الكلاسيكية وإطلاقها في عالم غرائبيّ يمكن له أن يشفع في حال السقوط في مهاوي التبسيط والتسطيح وعدم الإقناع.

يتحوّل التجريب إلى فخّ ضاغط على الروائيّ وروايته في الوقت نفسه، حين يصل إلى درجة من الغرور أو الوهم بالقدرة على الإبحار بعيداً في التجريب، يتهيّأ له معها أنّه يلعب بالخيال ويتصدّى لهدم البنيان الروائيّ تحت زعم تشييد بناء آخر على أنقاضه، أو في ظلّه الذي ينزعه عن كيانه نفسه، بحيث يكون السلخ، الذي يتحوّل مع التلاعب به إلى مسخٍ. وهنا المسخ يختلف ويبتعد عن “مسخ” كافكا في عمله الذي شكّل منعطفاً روائياً، وساهم بدفع روائيّين كبار إلى اقتحام غمار الكتابة الروائيّة من دون تهيّب من مخاطر التجريب واللعب في عوالم الخيال.

لعلّ الروائي، أيّ روائيّ، يكون مدفوعاً برغبة التجريب، وكسر الصورة التي لا يفترض بها أن تحاصره وتبقيه قيد التنميط، فتبديه كمن ينطلق من رغبة الثورة على الصورة التي لا يريدها أن تظلّ محاصرة له، وتغيير مسار كتابته إلى سمت آخر وزاوية مختلفة.

التجريب ليس عبثاً ببنية الرواية نفسها، ولا قلباً لفنياتها وتقنياتها، ولا يجدر به أن يتحوّل إلى دريئة يختبئ خلفها الروائيّ حين تعرّض أحد لنقد عمله، ولا يمكن لأيّ روائيّ أن يقنع قارئاً­­ غير مقتنع بعمله أنّ صاحب العمل الذي بين يديه أبدع في تجريبه في عمله الجديد، وكأنّ زعم التجريب قناع لإخفاء الإخفاق نفسه، أو يمكن أن يغطّي عليه ويمنحه حصانة أو حماية.

حين ينفرد القارئ بالرواية ويغوص في عوالمها تنزاح الأحجبة والأقنعة والحواجز التي تفصل بينه وبين العمل الذي يغرق فيه، ولا يمكن التحايل عليه وتشكيكه بذائقته، وأنّه لم يبلغ مستوى براعة الروائيّ المجرّب، وأنّ عليه أن يتجاهل امتعاضه من الرواية وعدم قدرتها على إدهاشه، وألّا يصرّح بما تناهبته من مشاعر خيبة إزاءها.

15