القارئ هو المؤهل الوحيد لقراءة ما بين السطور

يقوم النقد الأدبي أساسا على استقراء الظواهر الأدبية وتطبيق نظرياته على النصوص الإبداعية، في تمثل لعملية الكتابة وطريقتها وركائزها، ويسعى في ذلك إلى خلق مفاهيم لكل ظاهرة أدبية يكتشفها، حيث يلعب هنا تماما دور الفلسفة في خلق المفاهيم إنارة للعقول، لكن تبقى المصطلحات والمفاهيم النقدية مفتوحة وغير نهائية، وهذا ما اشتغل عليه الناقد ربيع مفتاح باستنباطه لمصطلحات جديدة مستقرئا عددا من النصوص القصصية.
الاثنين 2017/10/23
لمسة مكثفة كل ما تحتاجه لتكتب قصة قصيرة (لوحة للفنانة غولناز فتحي)

القاهرة- يطرح الناقد ربيع مفتاح في كتابه “زوايا الرؤية.. قراءات في القصة القصيرة” رؤية مختلفة للنقد الأدبي من خلال ما أطلق عليه اسم “المنهج التكاملي”، الذي يستفيد من مجموعة من المناهج في اتساق ودون تعارض، ويعتمد على مجموعة من التقاطعات بينها وبين النص.

ويشير مفتاح إلى أن هذا المنهج يتوقف على وعي الناقد وحساسيته وثقافته، كما يشير في نفس الوقت إلى أنه يمكن تقسيم المناهج النقدية بالنسبة للنص إلى مناهج نقدية قبل النص، أي تعمل عملها قبل إبداع النص مثل المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي والمنهج التاريخي، والتي ظهرت في النصف الأول من القرن الماضي، ومناهج مرتبطة بالنص فقط مثل البنيوية والتفكيكية والبنيوية التوليدية، وهي المناهج التي ظهرت في النصف من القرن الماضي، بالإضافة إلى منهج ما بعد النص وهو منهج جماليات التلقي الذي ظهر مع نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

صك المصطلحات

إن كان المؤلف قد استأذن من القارئ أن يمنحه الحق في “صك المصطلحات” إلا أنه لا يوجد ما يؤكد أن المؤلف يمتلك الخبرة العلمية والأكاديمية للتأسيس لمناهج نقدية جديدة، خاصة أنه حتى هذه اللحظة لا توجد أي بداية لتأسيس نظرية نقدية عربية خالصة، بالرغم من حجم التراث الهائل في الكتابات النقدية العربية.

القاص بصفة عامة عندما يتصدى لكتابة قصة قصيرة، فإنه يجب في المقام الأول أن يمتلك مجموعة من الأدوات

لكن على الرغم من ذلك فإن المؤلف يذهب إلى أنه بإمكانه التأسيس لما أطلق عليه اسم “المنهج التكاملي” يتم الولوج إليه من خلال مجموعة من التقاطعات بين البيئة والكاتب وبين الكاتب والنص، حيث يعتبر أن هذه التقاطعات المحورية يأخذها الناقد في حساباته من أجل تكاملية الرؤية المعرفية والجمالية، فالقراءة الواعية تتطلب حالة من التبني لدى القارئ حتى يصل إلى تكامل الرؤية، وعند هذه النقطة يعتبر المؤلف أن القارئ هو المؤهل بالتفسير والتأويل وقراءة ما بين السطور، وليس أي شخص آخر.

لكن المفاجأة التي تصادفنا ونحن نتصفح الكتاب الصادر مؤخرا عن وكالة الصحافة العربية – ناشرون، هي أن المؤلف لم يتوقف عند حد صك مصطلح نقدي واحد فقط، معتبرا أنه منهج نقدي أطلق عليه اسم “المنهج التكاملي”، بل إنه يتمادى في صك المزيد من المصطلحات النقدية فيصك مصطلحا جديدا باسم “البنية التفجيرية”، ولا يتوقف هنا عند عتبة صك هذا المصطلح النقدي الجديد فحسب، بل يقدم له تعريفا، معتبرا أن “البنية التفجيرية” هي “ذلك البناء الفني والمعرفي، في إطار من التجارب المتنوعة والبحث عن أشكال وأساليب جديدة”.

وإذا تماشينا مع المؤلف مقدرين شجاعته في الإقدام بلا تردد على صك المصطلحات النقدية، ليس هذا فقط، بل وتقديم تعريفات لها، ثم يقدم بعد ذلك على تطبيق المصطلحات النقدية التي أوردها على عدد من النماذج التي قام باختيارها لعدد من الأعمال القصصية من بينها مجموعة “أحلام صغيرة” لفهيمة عبدالصبور، ومجموعتا “نونوات النساء والقطط”، و”الشمس لا تغيب كثيرا” لمحمد خليل، ومجموعة “رائحة الخوخ” لمحمد عبدالواحد، ومحموعة “هذا العبث” لفرج مجاهد ، و”الرسالة من العالم الآخر” لمحمد هشام عبيه.

رؤية مختلفة للنقد الأدبي

كما طبق المؤلف رؤيته النقدية أيضا على عدد من القصص الأخرى مثل قصة “السلسلة” للقاص حسام مصطفى إبراهيم، وقصة “سوق النور” للقاص الشربيني خطاب، وقصة “الضحية” للقاص محمد خيري حماد.

إبداع مغاير

على اختلاف أدوات كل قاص من النماذج التي تعرض لها المؤلف بالنقد، إلا أنه يؤكد على أن القاص بصفة عامة عندما يتصدى لكتابة قصة قصيرة، فإنه يجب في المقام الأول أن يمتلك مجموعة من الأدوات التي يحاول توظيفها بهدف إحداث إبداع مغاير ومفارق للمألوف. ومن هذه الأدوات آلية السرد والحوار (المونولوج والديالوج)، ورسم الشخصيات، وإذكاء درامية الصراع بينها، فضلا عن الوصف وشبكة العلاقات التي تربط بين كل هذه العناصر مجتمعة، وأن يتم كل ذلك من خلال الامتلاك الواعي لتقنية لغوية والتي تتكفل باستبيان النص فنيا وفكريا.

وفي هذا الصدد يشير المؤلف إلى أن توظيف هذه الأدوات يعتمد بالمقام الأول على هارمونية المزج وجمالية النسيج بين عناصر القصة القصيرة التي يوظفها القاص في عمله القصصي والإبداعي، وقبل كل هذه العناصر المكونة لعملية القص، فإن ظاهرة التكثيف تمثل العنصر المفصلي للقصة القصيرة، بل إنها ميدان تفوق القاص.

ويؤكد ربيع مفتاح أن كاتب القصة القصيرة ينغمس في مهمته لإنتاج القصة القصيرة منذ أن يمسك القاص بنقطة الهجوم بسرعة، لأنه لا يوجد وقت ضائع في القصة القصيرة، مستشهدا بقول الكاتب الراحل يوسف إدريس عندما قال عن آلية كتابة القصة القصيرة، “إن هذه المسكة أو ‘القفشة‘، هي ترمومتر موهبة الكاتب”.

وينتقل المؤلف بين كل نص يعرض له بالنقد والتحليل، حيث يأخذ على عاتقه رصد العناصر الفعالة في أهم قصص كل مجموعة قصصية يقوم باستعراضها نقديا، مع استبيان بعض القيم الفنية والفكرية من خلال الولوج داخل كل نص من نصوص هذه المجموعات القصصية، وبيان نقاط الضعف والقوة في كل نص قصصي، مع الإشارة إلى عناصر أساسية من عناصر القصة القصيرة مثل النسق الصوري والتكثيف اللغوي والحوار الفصيح.

14