القارئ ومعادلة الإبداع والتسويق

الاثنين 2016/10/17

يضخّم الإعلام بعض الأسماء، وبعض الأعمال الروائيّة حتّى ليظنّها القارئ أنّها أعلى من مستوى فهمه حين يطّلع عليها، ويحار في أمره، هل يعرب عن رأيه الصادق بها بمستواها المتدنّي، فيوصف بأنّه غير أهل لقراءة الأدب الرفيع، أو أنّ عقله قاصر عن استيعاب المخبوء بين السطور، أم يصمت ويساير “نهر الجنون”؟ هل يتردّد في إطلاق صرخته الفاضحة للتحايل والإيهام ويبلع مرارة الخداع الذي يتعرّض له؟

لم يعد القارئ ذاك المتلقّي – الإيجابيّ أو السلبيّ – الذي لا يكون له حضور في معادلة الرأي في المعروض عليه، ولا صاحب النظرة المستكينة المترقّبة لما سيصدره الكاتب، بل بات يوجّه الأدباء أنفسهم، باعتباره المستهلك صاحب السلطة والرأي، يحدّد لبعضهم مساراته، ما يعجبه وما لا يعجبه، يصرّح برأيه من دون تردّد، يعبّر ببساطة ومن دون تزويق، قد يجرح بتلك البساطة وقد يبلسم، لكنّه تحرّر من عبء أن يكون صامتا، متلقّيا معتكفا في قوقعة القبول بما يلقى إليه من وسائل الإعلام وآليات التضخيم.

تكون إشارة الفرنسي دانيال بناك في مستهَلّ كتابه “متعة القراءة” جديرة بالانتباه حين يذكر أنّ فعل “قرأ” لا يتحمل صيغة الأمر، وهو اشمئزاز تشاطره إياه عدة أفعال أخرى كفعل “أحبّ”، و”حلم”. ويلفت إلى أن القراءة كانت فعل تمرّد، ولا تنساق لأمر أو نهي.

يعتقد بناك أن كل قراءة هي فعل مقاومة كل العوارض الممكنة: اقتصادية، مهنية، نفسية، عاطفية، مناخية، عائلية، منزلية، قطيعية، مرضية، أيديولوجية، ثقافية، أو نرجسية. ويرى أننا نقرأ لمقاومة الموت بطريقة ما. ويؤكد أن القراءة الذكية تنقذ الإنسان من كل شيء، حتى من نفسه.

وتراه يتحدث عن حقوق القارئ الدائمة، وهي من وجهة نظره: الحق في عدم القراءة، الحق في القفز على الصفحات، الحق في عدم إنهاء كتاب، الحق في إعادة القراءة، الحق في قراءة أي شيء، الحق في البوفارية وهو ما يشار إلى جانب التماهي مع النص، الحق في القراءة في أي مكان، الحق في أن نقطف من هنا وهناك، الحق في القراءة بصوت عال، الحق في أن نصمت.

ولعلّ من الجدير بالملاحظة أنّ القارئ اليوم صار، مع امتلاكه منصّات تعبير حرّة عن رأيه ووسائل تواصل تكفل له وجودا وصوتا، الطفل الجريء الذي يواجه الملك بعريه ولا يخشى مغبّة الإفصاح عن رأيه أو مواجهته. الرهان على القارئ، وبرغم أنّه رهان يأخذ وقتا أطول بالعادة من الوقت الذي يتمّ فيه افتعال الضجيج للأسماء العابرة لحدود العصابات المحلّيّة، المشتركة في دوائر التنفيع والارتزاق، إلّا أنّه رهان الزمن والجدّة والجدارة والأصالة، رهان يؤكّد أنّ العري لا يستر صاحبه ولا يغطّي ضحالة مستواه المضخّم الذي يبدو تضخّما مرضيّا لا غير..

كاتب من سوريا

15