القارب أصغر من أحلامي

الأربعاء 2015/09/30

نعم أستطيع.. القاربُ أصغرُ من حجم أحلامي.. لكنه سيوصلني إلى برّ التمنـّي.. فمن وصلَ لم يكن ولن يكون أوفر حظاً مني.. أنا نقية القلب وأحبّ كل الناس وأعرف معنى التسامح.. ولذا فلن يخذلني قدري هذه المرة..

أتطلّع بالوجوه.. ما بين مترقـّب أو ثرثار أو مرتعب كتوم.. طفلة تبكي ورجل لا نسمع غير أنينه وامرأة لا نسمع غير صلواتها.. وأخرى تتذمر وتتشكى وآخر يرطن محاولا أن يفهم تفاصيل الرحلة

من الربان-المهرب.. ويصرّ على أن يسميها رحلة الموت وهو يتضاحك بسخف.. بينما يسميها الحاج الجالس أمامي رحلة النجاة.. وأنا أسميها الحلم..

يقول الثرثار الذي لم يسكت لحظة “لا أحد يفهم ما يدور.. الطفل الغريق الذي انتشرت صورته انتشار الوباء سمعنا إشاعات تقول إنه ابن المهرب.. والرجل الذي ركلَتـْهُ المراسلة قالوا بأنه كان من رجالات النظام وقد اختار الجهاد مع إسلاميين متطرفين ثم قرّر أن ينأى بنفسه وعائلته بعد أن تاهت به السبل.. “!

لا أحد يفهم ما يدور.. حروب الإعلام أكبر من استيعابي والقارب أصغر من أحلامي لكنني أستطيع أن أصدق الأحلام وأصل.. أحسب خيباتي واحدة واحدة.. أبدأ بأكبرها حتى أصل إلى الصغيرات منها وأجمعها في صرة لأرمي بها في البحر قبل أن يـُقلع بنا القارب..

“نعم أنا سورية”.. هكذا سأقول للمحقق عند أول باب سأطرقه لعله ينفتح على حياة أكثر إنسانية ووطن أكثر أمنا.. أنا سورية وزوجي كان عراقيا خذله الوطن.. كان من المرحـّلين الذين اختار أهله سوريا حين كانت مأوى اللاجئين قبل عقود من الدمار.. وقبل أن تلفظ أبناءها لينتشروا في أصقاع الأرض لاجئين..

أحبـّني وأحببته وتزوجنا.. وقبل أن نكبر معاً عاد إلى الأرض التي بقي يحلم بالعودة إليها.. ولم يعد إليّ رغم أنه كان يسميني وطنه.. اختفى.. ذابَ مثل حلم يتلاشى عند أول الصباح.. تاركاً بعض ندى من ذكريات حبٍّ عاصفٍ وشيئاً من غصة وجبلاً من صدمةٍ وانشداه..

في ساعات حنيني الجارف أفترض أنه مات بانفجار فأبكي عليه بحرقة وأتمنى له الرحمة.. وفي ساعات غضبي أتخيـّل أنه تزوج بمن أحبّها ربما قبلي في وطنه دون حاجة لأن يسمّي امرأته وطنا!.. لا أدري.. أعلم فقط أنه تركني وحيدة أحلم ببيت دافئ وزوج حنون وأطفال يملؤون حياتي بالفرح.. لم أكن أفهم بكاءه في الليالي وهو يحدثني عن أشياء صغيرة تافهة ويقول ذلك هو وطني..

سامحه الله وسامحني لأنني لم أفهمه.. الآن صرت أفهم.. فكلمة وطن لم تعد تشبه الأغاني ولا تحكيها نشرات الأخبار.. وهناك في غربتي القادمة بعد أن يوصلني قارب الأحلام إلى حياتي الجديدة أتخيل أنني ربما سأبقى أبحث مثله عمن يلوّن حياتي ويُدفئ برد شوقي لأبي وأمي وأصدقاء طفولتي.. لأسميه وطناً عوضاً عن وطني الذي تركته هناك تحت أنقاض الحرب..

“وطنك نفسك.. وطنك ناسك.. وطنك حبيبك”.. هكذا كان يحدثني.. فأصبّر نفسي بكلماته وأنا أهجس دبيب الموت يهدر موجاً متصاعداً تحت قارب الحلم.. فأرفع رأسي صوب السماء وأقول رغم أنف كل شيء: مرحى للحياة.. فما عاد يجدي أن أبكي على أطلال عمري.. ولا بد أن يكون القادم أفضل.. أبتسم وأكرّر في سري: نعم أستطيع..

21