القاسم المشترك هو إيران

القاسم المشترك بين جميع الفرضيات والمعطيات هو أن إيران، والحرس الثوري بأذرعه المدربة والمسلحة والعابرة للحدود في المنطقة، هي مجتمعة صاحبة المصلحة في بث الفوضى وزعزعة الاستقرار في الأسواق العالمية.
الأحد 2019/09/29
بث الفوضى.. هدف إيراني

لم تكن لتجفّ بعد دماء ناقلة النفط البريطانية “ستينا أمبيرو” التي قرصنتها حكومة طهران بتنفيذ من الحرس الثوري الإيراني المرتبط مباشرة بدولة الملالي والمصنّف مجموعة إرهابية على لوائح مكافحة المنظمات الإرهابية في واشنطن، حتى اندلعت أزمة دولية نتجت عن هجوم غير مسبوق على أراضي المملكة العربية السعودية استهدف منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو في محافظتي بقيق وخريص؛ وتم تنفيذ الهجوم بواسطة عشر طائرات مسيّرة (درون) ما نجم عنه تدمير واسع في المنشأتين أدى إلى انخفاض إنتاج النفط السعودي إلى نصف حجمه.

التحقيقات الجارية حول الهجوم ستؤكد ما إذا كان الاعتداء قد تمّ بالدرون فقط أم أنه قد دُعّم بصواريخ كروز، حيث تتوارد معلومات عن أن الطائرات انطلقت من الأراضي الإيرانية وليس من اليمن طبقا لمعلومات متطابقة نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

أما عن ردود الفعل على المستوى الحكومي الأميركي، فقد سارع وزير الخارجية مايك بومبيو إلى اتهام إيران بأنها وراء الاعتداء على الأراضي السعودية ومنشآتها الحيوية في محافظتي بقيق وخريص في المنطقة الشرقية، مستبعدا انطلاق الهجمات من اليمن بسبب المسافة الفاصلة التي لا يمكن أن تجتازها طائرات الدرون.

وغرّد بومبيو على حسابه في تويتر قائلا “تقف طهران وراء ما يقارب من مئة هجوم على السعودية بينما روحاني وظريف يدّعيان التزامهما بالدبلوماسية”.

وأكّد عضو مجلس الشيوخ الأميركي توم كاتن في تصريح رسمي أصدره حال وقوع الهجمات الإرهابية، على تعهد الولايات المتحدة بحماية أمن المملكة العربية السعودية قائلا “الولايات المتحدة الأميركية تقف إلى جانب الشركاء السعوديين في مواجهة حملة إيران الإرهابية عبر الشرق الأوسط”.

وأضاف كاتن في بيانه الرسمي “أن الجهود اليائسة التي يبذلها آية الله لشلّ أسواق النفط العالمية ستدفعنا إلى تجديد التزامنا بتطبيق أقصى الضغوط على إيران؛ يجب على النظام الإيراني ووكلائه مواجهة عواقب هذه الهجمات”. أما الرئيس ترامب، فقد اتصل هاتفيا بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وعرض دعمه للسعودية في “الدفاع المشروع عن النفس”، مضيفا أن الولايات المتحدة “ما زالت ملتزمة بضمان استقرار أسواق النفط العالمية، وأن تلك الأسواق لديها إمدادات النفط اللازمة”.

التحقيقات جارية لكشف مكان انطلاق طائرات الدرون، فمن المستبعد بشكل كبير أن تكون انطلقت من اليمن الذي يفصل حدوده عن مكان الهجمات مسافة 500 ميل رغم إصدار الحوثيين بيانا رسميا يتبنون فيه الهجمات الأوسع منذ تشكيل التحالف العربي بقيادة المملكة لدحر وكلاء إيران من الميليشيات الحوثية في اليمن، ورغم إشارة محقّقين من الأمم المتحدة إلى أن الحوثيين حصلوا على طائرات دون طيار متطورة يمكن أن يصل مدى طيرانها إلى 930 ميلا، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا أمام احتمال أن تكون الطائرات دون طيار المستخدمة في الاعتداء قد حلّقت من الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن.

ومهما كشفت التحقيقات عن مكان انطلاق الهجمة، فإن القاسم المشترك بين جميع الفرضيات والمعطيات هو أن إيران، والحرس الثوري الإيراني إضافة إلى أذرعه المدربة والمسلحة والعابرة للحدود في المنطقة، هي مجتمعة صاحبة المصلحة الأولى في بث الفوضى في سوق النفط العالمي لترسل من جهة رسالة إلى الولايات المتحدة بأنها قادرة على زعزعة ليس فقط الاستقرار في المنطقة بل استقرار الأسواق العالمية؛ ورسالة موازية لمنافسها الإقليمي، المملكة العربية السعودية، بأنها أصبحت مجهزة لتضرب ضربات موجعة في العمق السعودي. فبعد أن اتضح لإيران وعملائها أن السعودية محصنة بشكل فائق ضد صواريخ الحوثيين، وقادرة على اعتراضها وإسقاطها قبل أن تبلغ هدفها، لجأ فيلق القدس التابع للحرس الثوري إلى حملة تدريب واسعة لميليشياته من اليمن إلى لبنان مرورا بسوريا والعراق من أجل استخدام تقنية بديلة للهجوم على السعودية، بل قام بنقل بعض الأفراد من الميليشيات التابعة له لتدريبهم في إيران على تجميع الطائرات المسيّرة وإدارتها وإصلاحها. أما الاعتداء الأخير فيقدّم لنا صورة لما يمكن أن تسببه طائرات صغيرة دون طيار لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات ومتوفرة لمجموعات إرهابية تديرها طهران، من اضطراب في أمن الدول، وما تلحقه من أضرار وخسائر بخزينتها تتجاوز قيمتها المليارات من الدولارات!

من نافلة القول إن إقالة حارس العقوبات على إيران، الصقر المتشدد جون بولتون، قد أعطت إشارة إلى  طهران بأن رحيل الرجل الأصعب والأكثر حرصا في الإدارة الأميركية على شدّ الحبل على عنق طهران، يفتح لها بابا ستنفذ من خلاله لمحاولة الانتقام من الولايات المتحدة، واستهداف ثروات المملكة ومنعها من متابعة خطتها في القضاء على الميليشيات الإيرانية العابرة للحدود؛ وفي الوقت عينه الاستمرار بمد أذرعها العدوانية في دول الجوار بغية تصعيد نفوذها. ومن نافلة القول أيضا أن الهجمات على أرامكو النفطية حملت تحدّيا خطيرا للولايات المتحدة وسبرا لقدرتها على المواجهة مع إيران بعد أن استفحل شرّها في المنطقة، والآن يتطاول على أمن العالم.

فصل المقال أن لا بد للرئيس ترامب أن يتخذ موقفا مستحَقا في هذه اللحظات المفصلية من ردع إرهاب حكام إيران ووكلائهم، إذ يبدو أن العقوبات الاقتصادية وحدها لا تكفي لردع هذا النوع من التغوّل العدواني الذي يَسِمُ النهج الحكومي في طهران. أما العقوبات الدبلوماسية والمقاطعة للرسميين الإيرانيين فيجب أن تُفعّل فورا ويتم منعهم من دخول الأراضي الأميركية وحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة. أما الرد العسكري على هجمات بقيق وخريص فأصبح فرض عين على واشنطن وإلا انفلت الطوق عن رقبة الوحش ليكون حرّا في قضم المنطقة بلدا إثر بلد وأمنا إثر أمن.

4