القاصة السودانية إستيلا قايتانو روح معلقة بين وطنين

الأحد 2014/03/16
إستيلا الكاتبة الجنوبية الوحيدة التي تكتب بالعربية

الخرطوم - برزت إستيلا قايتانو أو نجمة الصباح في الاحتفال الأخير بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي بالخرطوم من خلال مداخلتها التي فتحت بها مسارب غامضة من حياتها عند الكثيرين، وكانت بمثابة الشهادة عن جزء من تاريخها وعن القضايا التي أثارتها في جل قصصها.

ونعود هنا للتعرف على هذه الكاتبة والقاصة الجنوبية التي تعتبر الوحيدة من أهل الجنوب التي تكتب باللغة العربية وللحديث عن أهم القضايا التي حاولت إبرازها في كتاباتها.

إستيلا هي بمثابة التجسيد الحقيقي لذاك الصراع الذي عاشه الإنسان الجنوبي والشمالي في وقت واحد، في معاناته من أزمة الانفصال وتبعاته. فهي المتعلقة بالسودان لم يكن لفكرها المبدع أن يستوعب تقسيم الوطن إلى شطرين وما يعنيه ذلك لها من تقطيع لروحها المتعلقة بالوحدة وبالوطن الموحد. وكانت جل مواقفها تعبر عن تشبث بالسودان الوطن لأن حبها له لا يتجزأ.

كانت تقول دائما: “السودان وطن حلمنا وعملنا بكل طاقاتنا ليسع الجميع، وانفصال السودان أو استقلال الجنوب لن يغير هذا الحب، ولن يبدل ذاك الحلم، وسوف أستمر في ما أفعله، ليس من أجل الوحدة أو الانفصال أو الاستقلال أو الكونفدرالية، لأن كل هذا لا يُشكِّل غاية بالنسبة إليّ، وإنما الغاية كانت تحقيق حلم الوطن الذي يسع الجميع، ولا يُذلُّ فيه أحد بسبب انتماءاته وخياراته وآرائه؛ بل حتى آلامه. كنتُ مخدوعة بأن ذلك قد يكون ممكنا، ولكن..”.

وتضيف: “إن مجرد التفكير في مآلات الواقع وحدث الانفصال يصيبها بالقلق والتشاؤم، بل إنها حينما تفكر في مستقبلها الشخصي جدا فإنها ترى أن عليها أن تبحث عن مكان لتعيش فيه إن أصبح هذا السودان دولتين”.

وتصرح أنها كانت مستعدة للمشاركة في تزوير التصويت لصالح خيار الوحدة لو سارت الأمور باتجاه آخر وتذكر أن ” دعاة الانفصال لا يعون حتى الآن خطورة الفكرة وقتامة المستقبل”.

كل هذه المواقف لم تمنع إستيلا من أن تحزم حقائبها بعد الانفصال وتحمل أطفالها الذين هم من أب شمالي لتعود للجنوب تاركة زوجها وتاريخها وجزءا من ذاكرتها وأحلامها، لتجد نفسها تواجه صعوبات أخرى لكنها صمدت في وجهها مما يدفعنا للعودة للتفاصيل من أجل الوقوف على ميزات هذه الشخصية المعاندة.

ولدت إستيلا في الخرطوم، ودرست كل مراحل تعليمها بالشمال وتربت بين أهله، لكنها في ذات الوقت كانت دائما تعتد بأصولها اللاتوكية. كانت لصيقة بالمهمشين حيث ترعرعت في الحاج يوسف، والحاج يوسف يشبه الكثير من البيئات التي تطوق العاصمة القومية، هي أحياء احتضنت النازحين بسبب الحروب أو المتساقطين من ركب المدينة.

ودرست الصيدلة بجامعة الخرطوم، حيث كونت صداقات كثيرة هناك، “أصدقاء كالأرض لا يخذلونك أبدا”، كما تصفهم إستيلا. كما تعرفت على الكتاب والشعراء والنقاد والسياسيين الذين لهم الفضل في ما وصلت إليه.

ورغم توهان البعض عندما يريدون البحث عن تحديد مسقط رأسها بسبب قصر قامتها وفصاحة القلم واللسان إلا أنهم كانوا يعرفونها بالكاتبة الجنوبية التي تكتب بالعربية. عملت إستيلا صحفية بجريدة “أجراس الحرية”، التي كانت تصدر من الخرطوم.

العودة للجنوب مثل لإستيلا حالة من الاغتراب غير العادي فهي لا تعرف جوبا ولا تتقن الحديث باللغة الإنكليزية


محنة الانتماء


العودة للجنوب مثل لإستيلا حالة من الاغتراب غير العادي فهي لا تعرف جوبا ولا تتقن الحديث باللغة الإنكليزية ولم تكن تتصور أنها ستعود مرغمة لجنوب السودان حيث رأت فيها السلطة السياسية ما لا تراه في غيرها، مجرد مواطنة أجنبية أو لاجئة من دولة الجنوب. فتم طردها من عملها بالصيدلية، كما وقعت مصادرة جريدة أجراس الحرية التي تكتب بها عمودا ثابتا. وعين لها تاريخ لتغادر وطنها الشمالي لتولي وجهها نحو وطنها الجديد. إحساس مؤلم شعرت به إستيلا لا لشيء لأنها ستفقد الكثير من الأشياء تعلقت بها في الشمال وستجد نفسها أمام وضعيات جديدة من حيث اللغة الجديدة وحياة اجتماعية من نوع آخر.


العربية لغة التواصل

كانت إستيلا تعتقد أن اللغة العربية قد ميزتها لأنه من غير المألوف أن يكتب كاتب ينتمي الى جنوب السودان باللغة العربية، أغلبهم يكتبون باللغة الإنكليزية. وقد حاولت إستيلا أن تكتب باللغة التي تجيدها الأغلبية، حتى يسهل التواصل بينها والآخرين.

فاللغة عندها هي روح النص، هي التي تضيف الحياة إلى النصوص واللغة هي التي تميز وتشخص الإبداع وهي التي تعطي الانطباع الأول، كما الإنسان بالضبط، فهناك أناس تحبهم من أول وهلة أو العكس، أو هناك من تفرح به أو يبهرك أو يجبرك على احترامه.

النصوص هي روح اللغة التي نكتب بها، وإستيلا تحب اللغة العربية وتعشق الكتابة بها، لذلك فهي أداتها اللغوية التي تريد أن تعبئ بها قصصا وثقافة تخصها بعيدة كل البعد عن العرب والعروبة.

نجمة الصباح كانت تعتقد أنها لن تستطيع التعبير بلغة أخرى غير العربية، ولكن بعد استقلال الجنوب وبعد أن أصبحت الإنكليزية هي اللغة الرسمية، شعرت إستيلا أنها لا تعبر عن هويتها ولكنها متصالحة معها وتحب التعامل بها وتتخذها أداة للتواصل والإبداع.

وتعتبرها قاربا تعبئ فيه ذاتها لتبحر إلى عوالم أخرى وشعوب أخرى تحتفي بالجمال والتنوع ومن حقهم أن تصل إليهم النصوص باللغة التي يعرفونها. وأصبح هناك تحد يواجه إستيلا.. فكيف تصل إلى الجميع حتى قراء الإنكليزية، وهي الآن تعمل على محاولة تطوير نفسها لتكتب باللغتين أو ترجمة أعمالها إلى اللغة الإنكليزية.

الألم الذي شعرت به إستيلا عندما حرمت من العيش في الشمال السوداني لم يفقدها سعادتها التي تمثلت في تلك الكتابات القصصية التي بثت فيها أفكارها ومشاعرها عن الوطن وعن قضايا المهمشين والمحرومين


قضايا متنوعة


تجربة إستيلا وحياتها وأفكارها المتعددة برزت بشكل واضح في كتاباتها القصصية وبالشخصيات التي اختارتها بعناية فائقة والتي شحنتها بطاقة اللغة لتحمّلها ما يختلج في صدرها من أحاسيس وما تؤمن به من قناعات.

فتحدثت عن جدتها وبيتهم وأسرتها، ووضع النازحين على أطراف مدينة الخرطوم وساكني بيوت الكرتون، وكتبت عن الحرب ووثّقت للفقر والعوز والخمور البلدية والسجون في قصة “كل شيء هنا يغلي” بجزأيها فنحت نحو الموت والسجون ونحو الجنون، كانت قريبة جدا من أجواء هذه القصص بل كانت جزءا منها وتشارك في بعض تفاصيلها. فصورت ذاك الصدام الاجتماعي والثقافي بين الدولة ومجموعة من مواطنيها الذين ليس لهم علاقة بالتوجهات الإيديولوجية للدولة، لذا كانت صناعة الخمور بالنسبة إلى تلكم الأمهات مصدر رزق يسد الرمق ويوفر الكسوة ويدخل عددا لا بأس به من الأطفال إلى المدارس رغم سوئها ولكنها ترضي الأمهات.

أما من حيث نظرة الدولة فلم يكن هؤلاء المواطنون إلا مجموعة من المنتهكين للحرمات الدينية لدين ليس لهم به أي التزام روحي ولا يعرفون حتى شعائره، لذا حاربت الدولة صناعة الخمور بكل ما أوتيت من قوة وللأسف من غير تقديم بدائل محسوسة لكسب العيش الكريم و الحلال طبعا.

إستيلا اكتشفت متعة التحدث عن الخاص والمحلي جدا في قصصها ليصبح دهشة للآخرين لذا تعلمت أن تكتب عن نفسها، عن أمها ،عن أهلها وأرضها التي كانت بعيدة عنها لأن من حق الآخرين اكتشاف حيوات أخرى لا يمكن تخيلها.

فكتبت ” وليمة ما قبل المطر” التي تنفتح بالحديث عن أولير وهو بطل القصة والذي اسمه يعني العراء، هذا الاسم هو اسم أصيل في القبيلة التي تنتمي إليها إستيلا قبيلة اللاتوكا من كبريات القبائل التي تعبر عن حزنها بالبكاء والرقص في آن، بكاء الجسد والروح. تقول إستيلا: “لم يدهشني زوربا عندما كان يرقص ألما برجل واحدة في رائعة ماركيز ولكني اكتشفت بأن هذه التفاصيل تكتب، برفقة الدموع والأغنيات”.

وعن “أولير” تقول إستيلا كتبتها من الخيال البحت، استحضرت ذاكرتي السماعية لتكثيف الصورة تحدثت عن أنهار وبروق، استعنت بالتعاويذ والخرافة كمعتقدات أفريقية مازالت تمارس حتى الآن بإيمان وخشوع تامّين، زينتها بالغابات والبافرا وأوراق الموز، ثم عطرتها بروائح الجدات، ومجرد أمنية منهن قد تصيب الأبناء والاحفاد اللعنات التي لا يمكن التحرر منها بسبب الخوف أو الغضب، فخوف الجدة على حفيدها في هذه القصة حتى لا تصيبه الصاعقة كما أصابت أصدقاءه الذين كانوا يلعبون تحت شجرة العرديب الضخمة لأنه كان نائما، جعلتها تلعن حفيدها كي ينام كلما أمطرت السماء. لذا كان أولير ينام مع كل زخة للأمطار وأثناء ذلك تعود به الذاكرة إلى عمر السادسة إلى يوم الحادث بالتحديد أثناء سباحته في نهر هائج وانهمار الأمطار وهو رجل بالغ ولكنه يتحول في أحضان الطبيعة إلى طفل نائم في عمر السادسة. فيرى احتراق الشجر بالصواعق.. يسمع عويل الأمهات ودوي الطبول يحس بلعاب جدته الملعون على فروة رأسه ينتحب وهو يرى قملة كبيرة تنزوي في ثنايا تنورتها.

ما تريد إستيلا قوله من خلال هذه القصة هو أن الاعتقاد شيء يصعب التحرر منه وذاك ينطبق على كل الأديان السماوية والأرضية وبسببه قد يحيا الفرد ويعيش على أمل .. أو يموت ملعونا وطريدا من رحمة الإله.

الجدة الملهمة

أما قصة “بحيرة بحجم ثمرة الباباوي” فقد عبرت إستيلا بها من مرحلة الكتابة العادية التي تشبه كتابة الكثيرين إلى مرحلة كتابة الأنا الخاص والغريب عن الآخر. كتبتها في نصف ساعة، كما تقول لم تراجعها ولم تغير فيها شيئا، نزلت عليها كوحي أو كإلهام، كتبتها وهي ترتجف من الخوف والانفعال وكانت دواخلها تصرخ أو تحتفل كلحظات الميلاد.

كانت خائفة من هذا النص لأنه لم يكن لديها توقعات عن قبوله بكل تلك الجرأة والغرائبية التي فيها، نص به امرأة لا تشبه النساء، بها خليط من الأمومة الأبدية والقسوة المتجذرة لأسباب تعرفها نساء الريف والبيئات المفتوحة على المفاجآت السارة أو القاتلة.

أناس يجيدون قراءة الطالع ويفهمون همس الشجر والحيوان والألوان والتخاطب مع البيئة ويعرفون دلالتها، هي هكذا ديانات وخرافات وأسطورة هي عمود فقري للثقافات الأفريقية.

كيف تستطيع إستيلا قول هذا في زمن سيطرت الحقيقة الواحدة على كل الحقائق الأخرى وربما ستتعرض للسخرية ! ذاك كان مصدر خوفها.

كتبتها بشغف وعندما انتهت ألقتها في حقيبتها الوحيدة كأنها تخفي جرما. قبل أن تكتبها كانت تراقب جدتها الحقيقية وليست لها علاقة بجدتها التي في القصة، حيث أن جدتها الحقيقية قصيرة القامة وصغيرة الجسم مثلها، تخاف المرض والحرب والموت وعدم الإنجاب وقلة أدب الأبناء والحنين.

وهي التي كانت تقول حين تُؤنّبها الجارات على ضرب ابنتها قائلات: “لماذا تضربينها وهي ابنتك الوحيدة؟ كانت ترد عليهم: وإذا لم أضربها هل ستنفلق إلى عشر بنات؟”.

تلك هي جدتها الحقيقية والتي ابتلاها الله بموت المواليد فلم تبق غير أم إستيلا وأخوها.

كانت إستيلا تراقب جدتها الصغيرة وهي تحطم بعض كتل طين الجدار الذي تداعى أثناء خريف ما أرضا، لتحولها إلى تراب تعيد به بناء ذاك الجدار، كانت تجلس على مقعد قصير وتغني أغنية لتمجيد مآثر زوجها وهي أغنية لنفسها وتنجز للأسرة، نهضت إستيلا وتحركت في الفناء ورأت الأفق عبر ثقب أذن جدتها.

فلمعت الفكرة في رأسها وذهبت ودونتها في نصف ساعة، فاستحضرت إستيلا جدة أخرى رأتها من قبل وأبهرتها بطولها وقبحها ورائحتها النفاذة وغير مكترثة بمقاييس الجمال التي تهم الآخرين ويعرفها الناس فتقول عن فطاسة أنفها “يكفي أنها تتنفس به هكذا في فلسفة تقدير الوظائف والمهمات وآداء الواجبات أكثر من الوجاهة والمظاهر. فالأنف الطويل والكبير والأفطس كلها تؤدي مهمة التنفس ممّا يعني أن الحياة فيلم يركز الناس فيه على الجمال بشكله السطحي”.

برغم الالم الذي شعرت به استيلا عندما حرمت من العيش في الشمال السوداني إلا ان سعادتها تمثلت في تلك الكتابات القصصية التي بثت فيها أفكارها ومشاعرها عن الوطن وعن قضايا المهمشين والمحرومين، فكانت بمثابة المرآة التي تعكس واقعا لا تقدر الكتابة على تجميل القبح اللائط به.

20