القاص أحمد القاضي: أحاول أن أشعل ناري الخاصة وأتدفأ بوهج لغتها

القاص السعودي أحمد القاضي مسكون بحالات التأمل الدائمة حيال الأرض والإنسان وعلاقته بهما وسط صراعات اجتماعية وسياسية عميقة من الداخل السعودي والخارج العربي. “العرب” التقت معه للحديث حول تجربته القصصية، وحول رأيه في بعض القضايا الإبداعية والإنسانية.
الجمعة 2015/09/11
مثقفو جازان على تواصل تاريخي ممتد بمثقفي اليمن

بعد أن غادر غرفة منصة التصوير الفوتوغرافي وجد أحمد القاضي نفسه مسكونا بالقصة وبالمسرح، فعمل على تعميق تجربته والاشتغال عليها من خلال أربع مجموعات قصصية: “الريح وظل الأشياء” (2001)، و”مالم أقله” (2007)، “هنا وقعنا هنا أحسن” (2011)، وأخيرا أصدر عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” مجموعة بعنوان “قناديل زيتها أغنية” مضمنا فيها مجاميعه القصصية القديمة، بالإضافة إلى تجربته التي أنجزها مؤخرا. ويعمل حاليا على كتاب بعنوان “يخيط المارة: سيمياء النقود الورقية”.

اعتماد الرمزية

مثّل القاضي المملكة السعودية في العديد من الملتقيات الثقافية، كان منها الملتقى الخليجي لجامعات الخليج بالكويت عن القصة، والملتقى العربي التاسع بالإسكندرية.

وكانت له زاوية بصحيفة الجزيرة السعودية اسمها “عدسة ونص” نشر من خلالها بعض أعماله الفوتوغرافية مع بعض النصوص لعام كامل، واشتغل أثناءها في المسرح، فكتب وأخرج العديد من المسرحيات منها مسرحية “حكاية لوحة”، وهي عبارة عن نص تجريبي، كما أخرج أول نص مسرحي لجامعة جازان بعنوان “حالات” وهذا العمل هو اللبنة الأولى لمسرحها الحالي.

يحدثنا القاضي عن بدايات تشكّل وعيه القصصي قائلا: عندما كنت في المرحلة المتوسطة كانت تقع بين يديّ كتب من مكتبة أخي الأكبر، كان شاعرا حداثيا، وكانت أغلب كتبه تراثية فقرأت “البخلاء” للجاحظ، وبعض فصول “كليلة ودمنة”، وأقاصيص طه حسين الطويلة. وكنت أحضر كذلك جزءا من جلسات أخي الأدبية، واستمعت كثيرا، وعرفت أن الكلمة لها سحرها المنظوم والمنثور لذا جربت أولى قصصي.

قصص أحمد القاضي تتكئ على الرمزية وكأنها تتوسّل بها لتمرير خطابها العالي بين يدي الرقيب السياسي أو الاجتماعي. وهذه الرمزية أصبحت متلازمة في الكثير من الاشتغالات القصصية في السعودية. ويرى القاضي ضرورة تمرير الرسائل بذكاء حتى يفلت المبدع من قبضة العقاب الحتمي في المجتمعات العربية، وذلك عبر الرمزية.

قصص تتكئ على الرمزية وكأنها تتوسل بها لتمرير خطابها العالي بين يدي الرقيب السياسي أو الاجتماعي

وعن ذلك يعلّق لـ”العرب”: الموجة الحداثية التي تشبعت بنتاجها شعرا وقصة جعلتني أتخيل النص المكتوب رمزيا وقادرا على أن يقول كل شيء بروح العبور الغامض، إنه نص يناجي حاجاتنا السياسية، ونقدنا لوقعنا. عندها كتبت نصا، وكان أول نص ينشر لي بعكاظ، وتساءل الأصدقاء: هل كنت أمدح أم أذم؟ عندها فقط احتفظت بسري لنفسي. ووجدت القاصين العرب يكتبون بحس غامض ونية العبور للجماهير بأسئلتهم التي لو قيلت بوضوح لترتب عليها عقاب من التابوهات الثلاثة.

ترسم مجموعة القاضي القصصية الأولى ملامح مونولوج ذاتي يعبّر فيه البطل عن رؤاه وقلقه وأحلامه، وفي المجموعة الثانية تحضر الهموم السياسية العربية كإطار عام للتفاصيل التي تتخلل القصص. ثم تتعمق هذه الأسئلة في المجموعتين الثالثة والرابعة. ويرجع بعض القراء هذا التفاوت في تجربته لطبيعة اختلاف الأسئلة الشخصية التي سكنت القاضي خلال 15 سنة من الكتابة.

ويرى القاضي أن: المجاميع الثلاثة سلالم متخيلة عشتها زمنيا وفي كل واحدة منها كنت أفتح السؤال الملح، وقد أكون أنني لم أستطع الإجابة، لكنني حاولت في كل تجاربي أن أشعل ناري الخاصة وأتدفأ بوهج لغتها.

في سؤال لـ”العرب” حول تحولات تجربته من القصة القصيرة إلى القصة القصيرة جدا يجيب القاضي: القصة القصيرة جدا التي كتبتها في أواخر التسعينات كانت نتاج قراءات لزكريا تامر والأميركي إدغار آلان بو وتكثيف سليم بركات الطاغي. وساعتها لم تشتعل نار التقنية الحديثة بشكلها الحالي ووجدت في القصة القصيرة جدا مسدسي المحشو بورداتي الخاصة والتي أشمّها في أوقات كثيرة وحدي.

القارئ لنصوص أحمد القاضي الأخيرة يلحظ الأثر الواضح للمناخ المسرحي على تفاصيل التجربة

مناخ مسرحي

القارئ لنصوص أحمد القاضي الأخيرة يلحظ الأثر الواضح للمناخ المسرحي على تفاصيل التجربة. وكأن القصص حوارات شعرية عالية اللغة تجري على ألسنة أبطال مسرحيين.

يقول عن ذلك: الجو المسرحي الذي حاولت التماهي معه قراءة وإخراجا مع جمعية الثقافة والفنون بجازان جعلني أعي علوّ هذا الفن وأنه أشبه بعالم آخر لم أكتشفه جيدا، حينها تسربت الشخصية الحوارية، والبناء التصاعدي والشخصيات المتقابلة في نصوصي، وهي محاولة قصصية بها ما بها من نجاح وفشل أعيه جيدا.

القاضي من مواليد جازان (جنوب السعودية) عام 1973، وبحكم القرب الجغرافي فإن مثقفي جازان على تواصل تاريخي ممتد بمثقفي اليمن، وهنالك تشابه كبير في رسم معالم التجربة الأدبية بينهما. توقفنا مع القاضي على هذا التواصل، ولا سيما بعد الربيع العربي، وبعد أحداث اليمن الأخيرة.

يقول القاضي: اليمن كمكوّن ثقافي ثريّ لم ينفصل عنا جغرافيا ولا تراثيا، ويتماهى فينا اجتماعيا أيضا، وقد أقمنا عدة أمسيات مشتركة هنا وهناك، وكانت من ضمنها أمسية قصصية في بيت الشاعر آرثر رامبو الذي سكنه عدة سنوات قبل أن يتحوّل إلى فندق. كان ذلك في أواخر التسعينات. نحن كمثقفين سعوديين ويمنيين لدينا همنا الجنوبي المشترك، وقد استفدنا من قربنا من جيراننا ثقافة وقراءة، ولكن كما هي عادتها السياسة. والمحنة الحالية لليمن هي جزء من تفوق السياسي على احتياجات البشر الثقافية والإنسانية وأدعو لانتهاء هذا النزيف قريبا لأمن الشعبين الجارين.

14