القاص السعودي صالح الغبين: نافذة القارئ للتجسس على خيال الكاتب

القاص السعودي يؤكد أن الحركة الثقافية في المملكة تستعد حاليا لقفزة عظيمة، وأن وسائل التواصل الاجتماعي ستعيد اكتشاف القصة المحلية.
الاثنين 2018/04/23
القصص شبابيك مليئة بالحياة (لوحة للفنان أنس سلامة)

حركة التأليف القصصي في المملكة العربية السعودية نشطة، ففي كل موسم ثقافي مصحوب بمعارض الكتاب تحضر تجارب شبابية جديدة تشقّ طريقها للقراء عبر إصداراتها الحديثة التي تؤكد مدى قدرتهم على فهم أدواتهم والعمل عليها في مشاريعهم.

“العرب” توقفت في حوار مع القاص السعودي صالح الغبين، وهو أحد الأصوات القصصية السعودية الجديدة للحديث معه حول مجموعته القصصية الأولى وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى في المملكة.

صدرت مؤخرا عن دار أثر السعودية المجموعة القصصية الأولى “رحى” للقاص السعودي صالح الغبين، وبينما تعانق المجموعة قراءها في معارض الكتاب العربية، تسكن الغبين الكثير من الأفكار التي تغريه للكتابة، حيث يحاول في إصداراته القادمة أن يطرق مجالات وأفكارا جديدة.

يقول “الكثير من الأفكار تغريني للغوص داخلها وتعقب تفاصيلها ودقائقها وتثير لدي الكثير من التساؤلات التي أرغب في كتابتها”.

تأملات قصصية

بداية، يحدثنا ضيفنا عن مناخات “رحى” قائلا “أستطيع القول إن مناخات ‘رحى‘ متعددة، ومختلفة بحسب كل قصة وظروف كتابتها، تأرجحت بين الواقعية والفنتازيا، وبالرغم من هذا التأرجح إلا أن الرؤية كانت واضحة بشكل ساطع بالنسبة إلي، وقد حاولت تسليط زاوية ضوء صغيرة على خيال الإنسان وعالم أحلامه، الذاكرة وأشباحها، والكثير من التساؤلات. كل هذه الأمور تراكمت تدريجيا لتشكل مناخا عاما لِرحى”.

بين الواقعية والفنتازيا
بين الواقعية والفنتازيا

قصص مجموعة “رحى” تأملات لحظية سريعة في مشاهد يومية مؤطرة بأكثر من مناخ، الأمر الذي جعلها تسير وفق بنية قصصية مختلفة من قصة إلى قصة أخرى. فبعض القصص أخذت في تفاصيلها مناطق غير منتمية للمكان بمعناه الجغرافي، حيث سلطت الضوء على حكايات إنسانية من هنا وهناك، بين الحرب والسلم والسؤال الفلسفي العام عن الوجود، مثل قصتي “حساء بصل” و”تحول”. هذه التنويعات جعلت المجموعة ضمن إطار مناخي متعدد غير مسقوف تحت خارطة واحدة.

ويتفق القاص الغبين مع هذا الرأي القائل بأهمية المناخ الواحد في المجموعة الواحدة، لكنه يستأنف بأنه ليس بالحد الذي يقيد القاص في نمط وفكرة محددين.

ويقول معلقا “بشكل عام أرى أن القصة القصيرة عصية على التعريف، وهي من أصعب الفنون الأدبية، وأكثرها تمردا واختزالا للزمن والرمز، وأستطيع أن أشبهها بنافذة صغيرة تمكن القارئ من التجسس على خيال الكاتب وذاكرته. مجموعتي القصصية رحى هي مجموعة من النوافذ، في كل نافذة صورة مختلفة عن غيرها وانعكاس لجزء من المخيلة، كما هو الحال في النوافذ الحقيقية، فقد نطل على مشهد من نافذة لكننا لن نراه من النوافذ الأخرى. لذلك فمن الصعب تحديد مناخ موحد لجميع هذه القصص وإلا ستكون مثل من يشاهد منظرا واحدا فقط عبر نافذة واحدة”.

وفي ذات الشأن فإن بعض قصص المجموعة ذات ترميز عال، مثل قصة “رحى” و”حظيرة” و”مدير” وغيرها. هذا الترميز دفعني للتوقف مع ضيفنا على مدة حضور القلق من الرقيب بمعناه العام (السياسي، الاجتماعي، الديني)، وكيف يتعامل معه المبدع في السعودية.

ويقول الغبين موضحا “في السنوات القليلة الماضية لوحظ ارتفاع منسوب الانفتاح والحد من قيود الرقابة على الكتاب، مما أدى إلى حراك ثقافي مميز نستطيع مشاهدته في حركة النشر النشطة، وهذا ما أسهم في حضور الأدب السعودي على الساحة العربية. في مجموعتي القصصية، لم يكن المقصود بالترميز تجاوز أي نوع من أنواع الرقابة، بل أرى أنه من الضروري وجوده في بنية القصة القصيرة، بحيث تصل الفكرة للقارئ في عبارات محدودة مكثفة، بعيدة عن الاسترسال والكلام الإنشائي. الرمزية تحيل القصة القصيرة ذات العبارات الموجزة إلى عالم شاسع من خلال الإيحاءات والدلالات والسخرية أيضا، عالم يتسع لكل الاحتمالات ويسقط جميع قوانين الطبيعة الزمكانية”.

ويرى الغبين أن القصة هي حالة إبداعية تسيطر على القاص، وبالنسبة إليه فقد كانت جميع القصص هي من استولت على مخيلته، لذلك يجد من الصعب تحييد المرحلة الزمنية المسكونة بالحرب وبأزمة الحريات والتعبير عن الرأي بمرحلة زمنية أو بظروف معينة. ويقول “من الطبيعي أن يتأثر القاص بالظروف المحيطة به وقد تنعكس هذه الظروف على أعماله الأدبية، لكني لا أرى أنها يجب أن تكون هاجسا يقيد القاص في إطارات معينة، لا يمكن للإبداع أن يكون محصورا في هذا الأمر، وبنفس الوقت جميع هذه الظروف يتم تخزينها في الذاكرة لتصبح في يوم ما عنصرا من العناصر المحفزة للكتابة”.

ما يدعو للتفاؤل

صالح الغبين: القصة القصيرة أصعب الفنون الأدبية، بتمردها واختزالها للزمن والرمز
صالح الغبين: القصة القصيرة أصعب الفنون الأدبية، بتمردها واختزالها للزمن والرمز

عن قراءته الخاصة للمشهد القصصي في السعودية يشير ضيفنا إلى أن القصة القصيرة في المملكة لها تاريخ طويل وتجارب غنية، فهي لم تغب عن المشهد الإبداعي السعودي، ومازالت تحتفظ بجمهورها الخاص على الرغم من وجود تراجع في الوقت الحالي في قراءة القصة القصيرة والشعر بين القراء الشباب وانحيازهم لقراءة الرواية.

ويقول الغبين في هذا الشأن “من الملاحظ في السنوات القليلة الماضية صدور عدد لا بأس به من الأعمال القصصية المميزة والمدهشة، ونجحت بجذب القراء، وأعتقد أن التواصل الاجتماعي حاليا سيساهم في إعادة اكتشاف القصة المحلية كما فعلت الصحف في عقود ماضية. وبشكل عام أرى أن القصة القصيرة ذات جاذبية خاصة مازالت تغريني كقارئ قبل أن أكون كاتبا”.

ويؤكد الغبين في معرض حديثه عن آثار الصحوة على أنه “لا أحد يستطيع أن ينكر تأثيرها على المجتمع بشكل عام والحركة الثقافية بشكل خاص، وقد قامت الصحوة بمحاربة الحركة الثقافية وتهميش منجزاتها ومحاولة جرها إلى نفق مظلم لتكون معزولة عن المجتمع، لكن هذا لم يدفع الحركة الثقافية للتوقف أو التراجع بل بالعكس بقيت صامدة تثري المجتمع بقدر الإمكانيات المتوفرة حينها، لكن المهم الآن أن الثقافة هي من بقي على الساحة في حين أن الصحوة بدأت بالانزواء”.

ويبدي كاتبنا في ختام الحوار تفاؤله بمدى الأثر الذي سينعكس مستقبلا على المشهد الثقافي بصورة عامة إزاء تغيرات الخطاب السياسي السيادي في السعودية بعد القرارات والإجراءات الأخيرة التي تصنعها القيادة السعودية، والتي شكّلت مفارقة اجتماعية بين اليوم والأمس القريب.

ويقول في هذا الشأن “بصراحة، أنا متفائل جدا وأرى أن الحركة الثقافية تستعد حاليا لقفزة عظيمة مستندة على قرارات القيادة السياسية الأخيرة، ورغبة المجتمع في التطوير، وخير دليل الإقبال الشديد على جميع الفعاليات الثقافية من معارض الكتاب ومهرجانات الأفلام القصيرة، بالإضافة إلى خبر جميل جدا في الأيام القليلة الماضية عن إنشاء دار للأوبرا، كل هذه الأمور مؤشرات إيجابية على أن الحركة الثقافية ستشهد نقلة نوعية ومميزة، لكني أرى أن الخطاب الثقافي السعودي لا يزال محتاجا إلى دعم ليكفل له القدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات”.

15