"القاعدة الأمامية".. صورة لإعلاء شأن الأمة الأميركية سينمائيا

تسجيل يوميات المجندين وإضفاء الواقعية عليها لا يصنعان فيلما حربيا ناجحا.
الجمعة 2020/09/11
مسلحو طالبان يداهمون القاعدة العسكرية الأميركية

لم تنقطع السينما الهوليوودية عن إظهار يوميات الجنود الأميركان وبطولاتهم الفردية وتضحياتهم، وهم يُمارسون مهامهم التي أوكلتها لهم حكوماتهم المتعاقبة في بلدان بعيدة وجدت مصلحتها في شن حروب عليها أو غزوها. وفيلم “القاعدة الأمامية” يندرج ضمن هذه الإستراتيجية الدعائية التي تعلي من شأن الأمة الأميركية عبر السينما.

من خليج الخنازير إلى بنما إلى فيتنام مرورا بهيروشيما وناغازاكي وصولا إلى أفغانستان والعراق، رحلة طويلة من الدماء والدمار والقتل والتدمير وأيضا البطولات الفردية التي تناولتها السينما الأميركية في العديد من أفلامها، مثمّنة جهود أبنائها في إعلاء راية الأمة الأميركية، فتشيد ببطولاتهم وتمنحهم الأوسمة أيضا.

وفي فيلم “القاعدة الأمامية” للمخرج رود لوري والذي أُطلق في الصالات مؤخرا، هناك الكثير من بصمات تلك الأفلام التي عرضت صور تلك الحروب الدامية والصراعات.

واقعيا يمكن النظر إلى هذا النوع من وجهة نظر أميركية على أنه يقع غالبا في إطار الدعاية الأميركية المباشرة في الكثير من الأحيان مع استثناءات محدودة، ولعلنا نتذكر هنا سلسلة أفلام مايكل مور في إدانته للحرب ولنهج الرئيس بوش، أو اتجاه المخرج الشهير برايان دي بالما ومن خلال فيلمه الشهير “ريداكتيد” الذي خلّف وراءه ضجّة كبيرة، وقوطع الفيلم أميركيا، لأنه لم يمجّد العقيدة البوشية القائمة على الغزو والاستهتار بمقدّرات الشعوب تحت إمرة اليمين المتطرف.

كما أننا سوف نتذكر فيلم “أبوكاليبس” الشهير لفرنسيس فورد كوبولا في إدانته لحرب فيتنام، وعدد آخر من أفلام تلك الحقبة التي تناولت تلك الحرب، ومنها فيلم “بلاتون” لأوليفر ستون و”صباح الخير فيتنام” لباري ليفنسون و”العودة إلى المنزل” لهالي آشبي وغيرها.

وتلتقي هذه المجموعة من الأفلام مع أفلام عرضت صورة الحرب في أفغانستان، ومنها فيلم “الناجي الوحيد” الذي يستعرض ملاحقة القوات الأميركية عنصرا مسلحا أفغانيا قتل العديد من الجنود الأميركان في عملية اقتفاء وكرّ وفرّ.

وفي فيلم “قصة تلمان” نجد الشاب الرياضي الذي يقرّر الانخراط في صفوف الجيش الأميركي لخوض الحرب في أفغانستان، وفيه تتبّع ليوميات ذلك المحارب وما تحصّل عليه من خبرات ويوميات الفواجع الحربية.

والحاصل أن السواد الغالب في تلك الأفلام يقدّم يوميات هي أشبه بالمغامرة الحربية وحروب الكومندوز في مواجهة حرس طالبان.

الفيلم الحربي

لا شك أننا بصدد نوع فيلمي محدد، وهو الفيلم الحربي من خلال إنتاجات هوليوود على مدى ما يقرب من خمسة عقود ومن خلال ثلاث حروب، وهي حرب فيتنام ثم حرب أفغانستان ثم حرب العراق.

"القاعدة الأمامية" قدّم بشكل احتفالي أبناء ثلاثة من أشهر مخرجي السينما الهوليوودية، ليشكّلوا معا محور التراجيديا الفيلمية
"القاعدة الأمامية" قدّم بشكل احتفالي أبناء ثلاثة من أشهر مخرجي السينما الهوليوودية، ليشكّلوا معا محور التراجيديا الفيلمية 

وفي جميع هذه الأنواع الحربية، وكما أشرنا سابقا، تم التركيز على عنصر أساسي وهو عنصر البطولة الفردية والجماعية للجنود والضباط الأميركان، حيث تأسّست في كل هذه الأفلام الأرضية القائمة على فكرة الصراع بين القوتين غير المتكافئتين، أي القوة الغازية الجبارة والمقاومة التي تواجه تلك القوة الغازية وعلى هذا سارت المعالجات الفيلمية التي استعرضت قصصا من تلك الحروب الكارثية.

على الجهة الأخرى كان هناك المقاومون، وهؤلاء لا يتم التغاضي عن شراستهم ووحشيتهم واصطيادهم الجنود الأميركان، وكانت وجهة النظر الفيلمية تظهر غالبا إصابة ومعاناة وصراخ وإخلاء الجندي الأميركي، بينما كان المصابون من الطرف الآخر يتساقطون بلا أدنى أهمية، وبهذا تأسّست الانحيازات البصرية لتنسحب إلى يوميات الجنود الأميركان.

وفي خلال تقديم هذا النوع الفيلمي كان هناك تكريس للبيئات الغريبة والموحشة التي وفد إليها الأميركان، فمن السهوب والأدغال والغابات والمزارع في فيتنام إلى الجبال والوديان والطبيعة الجغرافية الوعرة في أفغانستان، إلى الأرض الصحراوية المفتوحة والأحياء السكنية المكتظة والمزدحمة في حالة العراق.

يقدّم فيلم “القاعدة الأمامية” قصة ويوميات أفراد كتيبة أو فرقة حربية أميركية تستوطن بقعة محاطة بالجبال من كل جانب تقريبا، وهذا التأسيس الجغرافي – السينمائي وحده أعطى مسبقا فكرة المحاصرة التي سوف يتعرّض لها أفراد تلك الفرقة.

وعلى خلاف أفلام أميركية أخرى تناولت فكرة الحرب، فإن هذا الفيلم كرّس اليوميات وعبّر عنها من خلال الحوارات والتعليقات المسهبة، فهو فيلم مليء بالحوارات الضرورية والهامشية على حد السواء.

ويمكن القول إن ثرثرات الجنود كانت علامة فارقة في المسار الفيلمي، فبإمكانهم أن يتحدّثوا عن أي شيء وكل شيء مهما كان هامشيا في شكل أقرب إلى الواقعية التسجيلية منه إلى تكريس الخطوط الدرامية الأساسية التي تقودها الشخصيات.

وخلال ذلك تم تأسيس تلك البيئة الحربية على مسافة غير بعيدة عن الحدود مع باكستان، حيث تتمركز مجاميع من مسلحي طالبان وهم يتربّصون بتلك القاعدة العسكرية الأميركية.

على أن الحياة اليومية التفصيلية للجنود ما تلبث أن تتخللها عمليات شدّ وجذب من خلال جلسات التفاوض مع شيوخ من حركة طالبان، ما انفكوا يطالبون بالقصاص من الجنود الأميركان لاعتداءاتهم المتكرّرة على مناطق يقطنها مدنيون في إطار صراعهم الطويل مع حركة طالبان.

دراما تسجيلية

تأهب دائم لأي خطر داهم
تأهب دائم لأي خطر داهم

يكتب جاك تابر يوميات تعود إلى عام 2009 من قلب الصراع مع حركة طالبان، يوميات يعرض فيها حياة جنود المارينز الذين شاركهم حياتهم، وهو في ذلك لن يختلف عن الكثير من يوميات الحروب، حيث استذكار الجنود لعائلاتهم وحبيباتهم وتوجه بعضهم إلى المخدرات للتخفيف من عزلتهم وشعورهم بالقنوط وكثرة الشد العصبي الذي يؤثّر بشكل مباشر على حالاتهم النفسية والعقلية.

ولننتقل بعد ذلك إلى عدد من الضباط – الآمرين وهم الذين لا تجد في أي منهم سمة فارقة تميزهم عن أقرانهم من الجنود، وخاصة من ناحية السن، فالفرقة تبدو وكأنها من سن متقاربة. لكن المخرج كرّس بضع شخصيات ومنحها حضورا مكثفا على الشاشة، وذلك في إطار توصيل فكرة خلاصتها أن هؤلاء الأفراد هم الذين يقومون بعملية القيادة.

وخلال ذلك يمكن النظر بأهمية لعنصر الحركة في تعزيز تلك الدراما الفيلمية، فهذا الفيلم يعج بالحركة ويتميّز بالإيقاع السريع، وذلك عبر طريقة عرض المعارك الحربية، ولربما أراد المخرج من خلال حرصه على عامل الحركة أن يغطي على الثغرة المتمثلة في عنصر الدراما الذي لم يكن متكاملا بما فيه الكفاية، كما لم يتم الزجّ بحبكات ثانوية ذات أهمية، باستثناء بعض التحوّلات الطفيفة في أثناء المواجهات والمعارك الحربية بين الطرفين، وما عدا ذلك كان هناك الكثير ممّا يجب فعله للخروج من أسر اليوميات التي كتبها جاك تابر والتي نالت حظا وافرا من الانتشار. لكن ليس بالضرورة ما نشر نصا مقروءا أن يحظى بالنصيب ذاته من النجاح في الفيلم.

يمكن القول عن هذا الفيلم إنه قدّم أبناء نجمين سينمائيين معروفين على نحو احتفالي ربما يقع للمرة الأولى، وهما سكوت ابن الممثل والمخرج كلينت إيستوود (أدى دور الضابط كلينت روميشا)، ومعه ميلو ابن الممثل والمخرج أيضا ميل غيبسون (أدى دور العريف روبرت يليسكاس)، يضاف إليهما ويل ابن المخرج ريتشارد أتنبورو (أدى دور الجندي إيد فولكنر).

وبالطبع كانت للشبان الثلاثة الصدارة في هذه التراجيديا، وهو توصيف كتبه الناقد غليد كيني ضمن مقال له في صحيفة نيويورك تايمز في تركيزه على ظهور أبناء الممثلين – المخرجين المشهورين من جهة، واعتبار أن ثيمة هذا الفيلم هي التراجيديا المتكاملة من جهة أخرى.

في موازاة ذلك وخلال مسار الأحداث لا نلمس الكثير من البطولات الفردية الاستثنائية، عدا محاولة إخلاء أحد الجنود المصابين والمخاطرة في جلبه إلى العربة العسكرية، وإلاّ فإن الفيلم برمته كان يحكي قصة مصيدة كارثية وقع فيها الجنود الأميركان أمام تدفّق أعداد غفيرة من مسلحي طالبان، وهم ينزلون من أعالي الجبال ويمطرون القاعدة العسكرية بغزارة مذهلة من نيران القنابل والرصاص والصواريخ في جحيم أتى على أغلب جنود وضباط الثكنة العسكرية، لولا اللحظة الأخيرة التي دخلت فيها مروحيات الأباتشي فأنقذت المتبقين من ذلك الجحيم.

شخصيات مهزوزة

عرض للخطة الهجومية
عرض للخطة الهجومية

يكرّس فيلم “القاعدة الأمامية” صورة العدو من خلال نوعين من الشخصيات، النوع الأول يمثله المترجمون وأفراد معدودون من الجيش الأفغاني متعاونون مع الأميركان، وكلهم شخصيات مهزوزة وضعيفة، وخاصة شخصية المترجم الذي ما انفك يكرّر تنبيه قيادة الفرقة العسكرية إلى أن مسلحي طالبان قادمون في هجوم وشيك وضخم. لكن الضباط لا يصدّقونهم بسبب أن الرواية تتكرّر ولا يقع الهجوم.

وفي المرة الأخيرة يحاول المترجم إقناع الضباط ومن هم في القاعدة بأن الهجوم جدي ووشيك، ولكن دون جدوى حتى تقع المفاجأة غير المتوقعة وتقع تلك المعركة الطاحنة.

الصورة المقابلة للآخر الأفغاني هي زعماء القبائل والشيوخ وممثلو طالبان، وهؤلاء كالمعتاد كبار في السن وملتحون، ولا يجد الجنرال الأميركي من سبيل لإقناعهم برمي السلاح إلاّ بالترغيب والترهيب، وخاصة إغراءهم بمشاريع ذات فائدة مادية مباشرة لهم، لكنهم يأتون محمّلين بسخط مُتراكم بسبب تكرار القصف على قراهم واستهدافهم وقتل مدنيين منهم.

المخرج رود لوري بالغ  في تقديم يوميات الجنود أثناء حربهم ضد طالبان، ممّا أخل بنسق الأحداث ومسار الحبكة الدرامية
المخرج رود لوري بالغ  في تقديم يوميات الجنود أثناء حربهم ضد طالبان، ممّا أخل بنسق الأحداث ومسار الحبكة الدرامية

من هنا تم رسم صورة العدو الذي لا يفي بعهده وأن الأفغان الذين كانوا قد تفاوضوا مع الجنرال داخل القاعدة لم يفوا بوعدهم، بل شنوا هجوما انتقاميا كبيرا وكادوا يبيدون كل من في تلك القاعدة لولا تدخل مروحيات الأباتشي في اللحظات الأخيرة.

وكما ذهبنا من قبل فإن صورة المسلحين الأفغان وهم يموتون غير ذات أهمية على الإطلاق، فهم يتساقطون تباعا أو يقتنصهم الجنود الأميركان، بينما يتم إنقاذ الجنود الأميركان بمهارة متناهية ومجابهة للمخاطر أيا كان مستواها.

ما عدا ذلك، فإننا لا نجد في تلك المواجهة ما هو استثنائي، فكلا الطرفين يستخدمان الأسلحة الأوتوماتيكية الحديثة في الهجمات والمعارك المتبادلة، ولم يكن ينقص الجنود الأميركان خلال ذلك سوى العتاد في العديد من المشاهد، مع إظهار بطولاتهم في جلب العتاد من المستودعات وسط نيران القصف المتواصل الذي يمطر به مسلحو طالبان تلك القاعدة العسكرية.

ويكرّس الفيلم منذ البداية فكرة يوميات الحرب والطابع التسجيلي الواقعي بإهداء الفيلم إلى أولئك الضباط والجنود الحقيقيين الذين خاضوا تلك المعركة، وفي نهاية الفيلم يستعرضهم بأسمائهم ويترك لهم فرصة التحدّث بأنفسهم عن يومياتهم التي أراد الفيلم نقلها كما هي بتفاصيلها وحيثياتها.

على أن ليس جميع اليوميات والأحداث الواقعية كفيلة بتحقيق نجاح سينمائي وتقديم فيلم حربي مختلف في بنائه ومعالجته عمّا عداه ممّا شاهدنا من أفلام حربية، وتلك إشكالية حقيقية واجهها هذا الفيلم وفريق العمل.

16