القاعدة تعلن أحكام "شريعتها" في اليمن ما يفتح جبهة جديدة للإرهاب

الجمعة 2014/07/25
تمكنت المجموعات الإرهابية من الخروج إلى العلن بعد ضعف سيطرة الدولة

أفادت تقارير إعلامية أخيرة أن تحركات تنظيم القاعدة في اليمن قد زادت من وتيرتها بشكل لافت للانتباه في هذه الأيام. فبغض النظر عن الهجومات “المعهودة” للتنظيم التي تستهدف الجيش والشرطة والمؤسسات في كامل محافظات اليمن، فإن جماعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة أصدرت بيانين تباعا تحذر فيهما من مغبة “مخالفة الشريعة الإسلامية من قبل الرعايا” وذلك بالتركيز على “تحريم خروج المرأة للتسوق دون محرم وقطع يد السارق بعد اختطافه وتأديبه”.

وتعد خطوة إصدار بيانات من هذا النوع (صدرت في محافظة حضر موت شرق اليمن) تقدما ملحوظا لتنظيم القاعدة الإرهابي، فقد بدأ التنظيم يمر من مرحلة القتال لتأمين المجال واحتكاره إلى مرحلة السيطرة والتحكم في تلك المجالات.

أكد مراقبون للشأن اليمني أن تنظيم القاعدة في اليمن يزداد خطورة يوما بعد يوم خاصة بعد انتقاله إلى تنفيذ أحكامه على المدنيين أو الإعلان عن عزمه تنفيذها، في خطوة استغل من خلالها القاعديون ما يحدث في المحيط العربي من تغول لتنظيمات إرهابية رديفة وتوسع دائرة تأثيرها، ما أعطى شحنة نفسية للإرهاب في اليمن.


فرض أحكامهم الخاصة


استغلت المجموعات المتطرفة الانفلات الأمني الحاصل في مناطق متفرقة من محافظة حضرموت للخروج إلى العلن وتوزيع بيانات مكتوبة للناس تتضمن تهديدات بما أسموه “تطبيق شرع الله” على من يخالفون الشريعة، وذلك بقطع اليد والجلد والرجم وقطع الأطراف من خلافها. ويؤكد خبراء في المجموعات المتطرفة أن الفراغ الأمني في مناطق معينة تسبب في ظهور تلك التنظيمات ومحاولة سيطرتها على الناس، خاصة بعد أن ضعفت السلطة المركزية بصنعاء بعد سقوط نظام علي عبدالله صالح.

أكد مراقبون للشأن اليمني أن تنظيم القاعدة في اليمن يزداد خطورة يوما بعد يوم خاصة بعد انتقاله إلى تنفيذ أحكامه على المدنيين

وبالعودة إلى البيانات التي تم إصدارها، فإن جماعة أنصار الشريعة (وهي نفسها تنظيم القاعدة) قد ضمنت جملة من التهديدات بالعقوبات البدنية القاسية التي من شأنها بث رعب حقيقي في صفوف المواطنين. فقراءة تلك الإصدارات تؤدي إلى استنتاج مفاده أن القاعدة في اليمن، كما في مناطق أخرى، تستعمل الخطاب المستند إلى ما يسمونه “الشريعة الإسلامية” لإرهاب المتلقي وإجباره على الخضوع لسيطرتهم، وإيهام الناس أن ما يقومون به هو من الدين، حتى إذا ما رفض أحد من المدنيين الخضوع لهم، اعتبر “كافرا” وينفذ فيه الحد الذي يرونه (غالبا ما يكون القتل).

فالمسألة في جوهرها ليست متعلقة بالرغبة في تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، فاستهداف المرأة في أول البيانات والذهاب مباشرة إلى تحريم خروجها إلا بمحرم حتى إذا كان الأمر متعلقا بالتسوق، وإذا حصل ذلك سوف يتم جلدها، أو قطع يد السارق والتهديد بالصلب وما إلى ذلك، ليس الغرض منه تركيز نظام قانوني كما تراه القاعدة وإنما استعراض القوة على المواطنين والترهيب وفرض النفس للسيطرة على نفسيات الناس وإخضاعهم بمنطق الإجبار، وهذا تقريبا ما يتطابق مع تعريف الإرهاب.


اليمن يلتحق بسوريا والعراق


القاعدة في اليمن نقطة سوداء تهدد بتحويل المنطقة إلى دائرة واسعة من الهجمات الإرهابية وعدم الاستقرار

تعتبر البلاغات الصادرة عن التنظيمات الإرهابية الرديفة للقاعدة بالطريقة التي صدرت بها في محافظة حضرموت في اليمن، من الطرق التي أصبحت معهودة لتلك التنظيمات في الإعلان عن نفسهـا. فالأمر قد بدأ في سوريا منذ أكثر من سنة عندما أعلنت “الدولة الإسلامية في العراق والشام” عن نفسها في محافظات الشمال، مسيطرة على بعض المدن والأقضية فيها مثل مدينة الحسكة ودير الزور والرقة شمالا. كما سبق وأن أعلنت “الخلافة” في مدينة الموصل شمال العراق قبل شهر على لسان “أبو بكر البغدادي” والذي اعتلى منبر مسجد الموصل وخطب في الناس مؤكدا أن داعش تسعى لتطبيق الشريعة وفق نظر التنظيم المتشدد.

وفي تطور لافت للأحداث، التحقت بعض المناطق التي تضعف فيها السلطات الرسمية اليمنية بمجال سيطرة القاعدة، في صورة تتماثل مع العراق وسوريا، الأمر الذي يؤكد أن الخيط الناظم بين كل هذه التنظيمات لا يزال قائما، وأن الاتصالات بين “زعماء وأمراء” تلك المناطق في تواصل دائم.

ولم يكن مفاجئا أن يعلن القيادي في تنظيم أنصار الشريعة باليمن “مأمون حاتم” في كلمة صوتية منتصف يناير الماضي، تأييده لـ”داعش” في غير مناسبة، وتحدث عن قرب مبايعة أفرع التنظيم لها. وزاد هذا من المخاوف بشأن تكرار تجربة “داعش” أو الإنجرار إلى حرب مذهبية طائفية في اليمن، خاصة في ظل وجود تقارير عن وصول مقاتلين إلى منطقة “تمنون” الساحلية بمحافظة حضرموت قادمين من سوريا والعراق، والتي سيطر عليها تنظيم القاعدة قبل أسابيع، واستخدمها لاستقبال مقاتلي القاعدة القادمين من خارج البلاد.


سيناريو الاقتتال المذهبي


الأفق المنتظر للصراع في اليمن هو تحول البلاد إلى ساحة للاقتتال المذهبي بين الحوثيين وتنظيم القاعدة

لئن بدا الأمر من الوهلة الأولى أن مؤسسة الجيش اليمني تقوم بحملة من أجل الحفاظ على وحدة التراب اليمني وتواصل الدولة والمؤسسات، فإن كل المنجزات التي تراكمت على مدى أكثر من عقدين بعد إعلان الوحدة اليمنية مهدد بالاندثار بمجرد اندلاع الصراع الطائفي (المتوقع) بين الحوثيين الشيعة والقاعديين وأنصار داعش السنيين، وهذا الأمر يعد مصدر قلق وتهديد للمنطقة بشكل عام، وخاصة المملكة العربية السعودية التي خسرت جنودا في موجهات أخيرة، ومصر التي سوف تواجه جبهة أخرى على حدودها البحرية بعد جبهة سيناء والحدود مع ليبيا.

ورغم وجود شبه تطمينات شعبية من عدم الانزلاق في متاهة الحرب الطائفية، نظرا لأن القاعدة والحوثيين لا يمتلكان أرضية شعبية قوية حتى يفرضا وجودهما، إلا أن شعور مواطني المناطق التي تسيطر عليها هاتان الجماعتان في ظل غياب دور الدولة لحمايتهم، سيضطرهم إلى الاصطفاف الطائفي، على الأقل لحماية حياتهم من التهديد القادم.

وتؤكد شهادات ميدانية من داخل المحافظات اليمنية، أن القاعدة (الشق المتشدد من السنة) والحوثيين (الشيعة المتشددين)، لا يمثلان المجتمع اليمني وقاعدتهما الشعبية تكاد تكون ضعيفة، حتى في المناطق التي يهيمنون عليها. لكن هذا لا يمنع من التنبؤ بتغيير قواعد الصراع أو اللجوء إلى التكتلات الطائفية مستقبلا.

إذ من المعهود أن التنظيمات الدينية المتطرفة تتغذي في خطابها من شيطنة الآخر والتركيز على تكفيره وتحليل دمه وذلك بهدف إيجاد مبررات البقاء على حالة من الاقتتال والاستعداد المتواصل والتعبئة لمزيد السيطرة والهيمنة سواء على المستوى الخطابي والإعلامي أو على المستوى الميداني. وهو ما حصل فعلا في سوريا من تهجير وتكفير للأقليات الدينية التي تقطن في المناطق التي سيطر عليها المتطرفون والأمر ذاته يحدث في العراق وما تنتظره اليمن يتجه في المسلك ذاته.

13