القاعدة تعود إلى حيلها القديمة بتحالف جديد مع الإخوان

تنظيم القاعدة يلعب على وتر حاجة الإخوان إلى إتمام المصالحة بغرض استعادة الحضور في المشهد المصري وهذا يتطلب العودة إلى الحالة التقليدية القديمة عبر الضغط بورقة العنف.
الجمعة 2018/08/24
قادة التدمير يأملون العودة في أشكال جديدة
 

يبحث كل من تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين عن تحالف مشترك جديد يضمن إنقاذهما، عقب تراجعهما المستمر. وأضحت التيارات الإسلامية لا تملك من أدوات دغدغة المشاعر سوى استثارة غضب الشعوب ضد حكامها والترويج لمشروع بديل، لكن من زعموا أنهم نجحوا بأفكارهم في الوصول إلى السلطة سقطوا من فوقها بلا رحمة.

القاهرة- عبر إصدار بعنوان “خدعوك فقالوا.. الانتفاضات العربية أفرزت أعظم دستور وأعدل قانون” الأسبوع الماضي، حرص تنظيم القاعدة عن طريق حسام عبدالرؤوف، أحد القادة المقربين من أيمن الظواهري، على الترويج لدعم مفترض لجماعة الإخوان في أزمتها المعقدة، زاعما أنهم يريدون تصحيح مسار الثورات العربية، بذريعة انحرافها لعدم تبني نموذج الانقلاب الإسلامي الشامل وصولًا إلى إقامة سلطة دينية مطلقة.

ووفقا لسياسة تبادل الأدوار، هاجم أيمن الظواهري نفسه، بعد يومين من خطاب حسام عبدالرؤوف، وألقى كلمة عنوانها “فلسطين لا تسلم للخونة”، قائلًا إن قادة حماس “فرطوا في الثوابت ومهدوا للفكر الاستسلامي، وخالفوا نهج وتعاليم قادة حماس الأوائل”.

يتضح من المقاطع المكثفة للقاعدة أن التحالف المأمول مع الإخوان يرمي إلى العودة لرؤية قادة حماس الأوائل، الذين ينتمون فكريا إلى جماعة الإخوان، وروجوا للمقاومة الإسلامية ومنظور الخلافة كسبيل وحيد لنصرة فلسطين.

يرى البعض أن أصابع قطر تتحرك من خلف الستار، وعبر تنظيم القاعدة هذه المرة في الملف الفلسطيني لحصار الجهود المصرية الساعية لإتمام الهدنة بين حماس وإسرائيل، وتدفع بمن يزايد على حماس، ويلوح بإمكانية إفشال الوساطة عن طريق توظيف فصائل السلفية الجهادية، تلك التي يتمتع فيها منهج ورموز القاعدة بحضور وتأثير كبيرين قد يصلان إلى درجة تحريك بعض العناصر المتشددة في غزة لممارسة العنف لقلب الطاولة.

أصابع قطر تتحرك عبر القاعدة في الملف الفلسطيني لحصار الجهود المصرية الساعية لإتمام الهدنة بين حماس وإسرائيل

في المشهد المصري يجد تنظيم القاعدة والداعمون له أن تحالفًا مع جماعة الإخوان، وفقا لمنهجها القديم من شأنه تخفيف الضغوط المحلية والإقليمية على الجماعتين، وقد يكون عامل دعم لخطة إعادة تثبيت الحضور وإثبات الوجود في مشهد الأحداث في المنطقة العربية. يبدو موقف القاعدة مدفوعا بالمنافسة القائمة مع داعش، وكلاهما يبحث عن مساحات عمل وتحالفات ترجح كفته على الآخر، وأيضًا لديه رغبة في الهروب إلى الأمام في ظل الإخفاقات على بعض المحاور، مثل الانقسام في الملف السوري والتحديات التي يلاقيها التنظيم في ليبيا، علاوة على أزمة القيادة الداخلية، ورغبة الظواهري في قطع الطريق أمام تصعيد قيادة رمزية بديلة.

متوقع أن يخوض تنظيما داعش والقاعدة، جولة صراع على من يكون له الحضور والنفوذ في البلاد العربية والشرق الأوسط، بعد خوض جولات في مختلف أنحاء العالم، من أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وهزائم التنظيمين، وكلاهما يبحث عما يتفوق به على الآخر.

يرى داعش أن ما يمكنه من إعادة إنتاج نفسه في المشهد العربي هو مشروع خلافته الخاص به والذي يطرح من خلاله نفسه كبديل للتنظيمات القائمة قبل الأنظمة الحاكمة. وتختلف تكتيكات القاعدة من زاوية محاولة المناورة والدخول في تحالفات مع تنظيمات أخرى، علاوة على الرغبة في ربح ورقة الجماهير التي يظن أنه قادر على خداعها مجددًا من باب الترويج لنسخة معدلة على النموذج الإسلامي للثورات.

تبرز العديد من المستجدات التي تجعل جماعة الإخوان محل طمع تنظيم القاعدة خلال المرحلة المقبلة؛ أهمها استغلال تطلعات الإخوان لتجاوز هزيمتهم والعودة إلى المشهد العربي والمصري خاصة، وصار هناك تلاقٍ للمصالح حول نقاط عدة، فكما تسعى جماعة الإخوان لتحسين وضعها عبر امتلاك أوراق قوة للحصول على الحد المقبول من مطالبها من النظام المصري بما يحفظ مكانتها، فإن القاعدة يشرع في استعادة مكانته في الوسط الجهادي.

إثارة غضب الشعوب ضد الحكومات لعبة لم تعد ذات جدوى
إثارة غضب الشعوب ضد الحكومات لعبة لم تعد ذات جدوى

كما تأتي أيضا محاولة استغلال ضعف وتراجع داعش في المنطقة العربية، كمحدد آخر، لذلك يبدو حرص القاعدة على مغازلة الشعوب العربية بالحديث عن كونها القوة الدافعة للتغيير وحديثه عن الظلم الذي تعرضت له وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ما يعني أن القاعدة يروج لنموذج إسلامي يجمعه بالإخوان وفق تصوره، زاعمًا أنه الأقدر على التعبير عن مطالب وطموحات الجماهير، مستغلًا فزاعة داعش بنموذجه الاستعلائي الدموي، كأنه يعرض نفسه والإخوان كحل للخروج مما يتم الترويج له باعتباره “ظلم الأنظمة من جهة وتوحش داعش من جهة أخرى”.

يلعب القاعدة على وتر حاجة جماعة الإخوان إلى إتمام المصالحة بغرض استعادة الحضور في المشهد المصري تحديدا، وهذا يتطلب العودة إلى الحالة التقليدية القديمة عبر الضغط بورقة العنف، وهنا لن تصلح خلايا من داخل الإخوان مثل “حسم” للقيام بهذا الدور مباشرة، لأنها ستحرص على نفي صلتها بالعنف خوفا من تثبيت التهم السابقة عليها، وسيفيد الأسلوب القديم الذي اعتمد على المناورة بفصائل جهادية من خارج الجماعة، لا تتبعها تنظيميًا لكنها ترتبط بها من جهة المصالح المشتركة.

يأتي العامل الأخير ممثلا في اتفاق جماعة الإخوان والقاعدة على منظور الإرادة المشتركة لتعديل موقفهما على ضوء النتائج الأخيرة التي وصل إليها الطرفان. وبالنظر إلى ما ألصق بالتيار الجهادي وتيار الإسلام الحركي والسياسي بشأن التسبب في الانتكاسات، يروج بعض المنظرين لمراجعة، مفادها أن الفشل نتج عن استمرار المؤسسات القضائية والتشريعية والأمنية والاقتصادية، في أداء دور يخدم الأنظمة، ولتنجح الثورة لا بد من القضاء المبرم على النظم الحاكمة بكل رموزها ومؤسساتها ومخلفاتها.

لن تنطلي الخديعة الجديدة من قبل تنظيم القاعدة على الواقع العربي؛ فهناك وعي لا ينحصر في أوساط النخبة فقط بأن القاعدة وجماعة الإخوان معًا كانا السبب الرئيسي في الحال الذي وصلت إليه البلدان العربية من تدمير، عبر الاستعانة بقوى خارجية لتغيير الأنظمة وفرض الإسلاميين في مشهد السلطة، أو عبر عسكرة الانتفاضات والدخول بها إلى مستنقع الاحتراب الأهلي.

فشل القاعدة في إحداث التغيير الذي يتحدث عنه التنظيم في النسخة السورية، ولم يحافظ على تماسكه ووحدته، فضلًا عن الدولة التي تم تدميرها، والجماهير التي يطالبها بالخروج من جديد وعدم العودة إلا بعد اقتلاع الأنظمة “المبدلة لشرع الله”، في حين جربت تلك الشعوب حكم الإسلاميين ولم تجد ما يتحدث عنه قادة القاعدة من عدل ورفاهية وتوزيع عادل للثروة ولم تلمس تميزًا عن النظم العلمانية.

المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد نشاطا يمزج بين خلطة القاعدة والإخوان المعتمدة على النزعة الثورية والعنف 

ويتنصل القاعدة والإخوان من تحمل أية مسؤولية تجاه ما جرى للشعوب العربية؛ فالقاعدة ينفي مسؤوليته عن فشل الانتفاضات عندما تدخل بأيديولوجيته الرجعية وعنفه زاعمًا أن الشعوب تجهل مبادئ الثورة الحقيقية، وجماعة الإخوان التي قدمت أسوأ نماذج للحكم بعد الثورة تزعم أن هناك مؤامرة نُسجت لعزلها عن السلطة.

تعي الشعوب العربية جيدًا أن هناك قوى استغلت حاجتها ومطالبها المشروعة والمحدودة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتحسين ظروف معيشتها، فدفعت الحشود الغاضبة والطامحة وحرفتها في اتجاه تحقيق مكاسب لجماعات وتنفيذ مشاريع حكم توسعية خارج سياق السقف الوطني المحلي. يشعر التنظيمان بأن الفرصة سانحة الآن للعودة عبر نفس التحالف بالعزف على نغمة تدهور الأوضاع الاقتصادية وعودة الأنظمة القديمة وأساليب القمع والسجون، وفي حقيقة الأمر أنهما في وارد البحث عن سبيل للخروج من مأزقهما ومشكلاتهما التنظيمية عبر استغلال الأزمات الاقتصادية والسياسية لدى بعض الجماهير العربية.

تكمن ورطة تنظيمي الإخوان والقاعدة الكبرى في أن القوى الداعمة لهما ترى أنهما صارا عبئًا عليها، واستمرار الفشل وجمود الأوضاع على ما هي عليه قد يضطرها إلى التخلي عنهما، لذا فالمرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد نشاطًا يمزج بين خلطة القاعدة والإخوان المعتمدة على النزعة الثورية والعنف، والهدف إثبات الجدارة والاستحقاق لاستمرار التمويل والرعاية من الجهات الداعمة لهما.

13