القاعدة والاستثناء

الثلاثاء 2017/07/11

يستخدم الفلاحون في مصر تعبيرا جميلا في تعريف النبات الذي لم يزرعوه لكنه يظهر طبيعيا وسط زرعهم. يصفونه بأنه “طالع شيطاني” خصوصا إذا كان مؤذيا أو به أشواك مزعجة. جميل أن يرى الإنسان أن كل مفيد ومرتب رباني وكل مزعج شيطاني. الإنسان مجبول على حب النظام ويرى فيه جمالا ويرى في الفوضى والاضطراب قبحا.

من هنا يضع الإنسان قواعد. هناك قواعد يستنبطها البشر في كل يوم. هذا لا اعتراض عليه، لكن المشكلة أن الحياة نفسها ماشية بشكل “شيطاني”. الحياة تنمو وتتمدد في كل اتجاه وهي عشوائية بالفطرة. لكن الهوس بالترتيب والنظام يجعلنا نضع قواعد سرعان ما نكتشف أنها غير صالحة دائما.

وبدلا من أن نعترف أن القانون الذي وضعناه لا يصلح، نصرّ عليه ونبقيه ونضع ما يعرف بالاستثناءات. الاستثناءات هذه هي في الواقع قواعد أخرى. وما إن تصير الاستثناءات قواعد حتى ندرك أن لها هي أيضا استثناءات ستتحول إلى قواعد، وهكذا.

كل يوم في حياتنا نخوضه وسط أدغال من تراكم القواعد والاستثناءات. لعلنا لا ننتبه إلى كمية القواعد التي نخضع لها لكننا نلمسها فعلا عندما نتحدث بلغتنا العربية. لغة الضاد هذه خضعت لمحاولات التكبيل بالقواعد منذ أيام أبي الأسود الدؤلي الذي عاصر علي بن أبي طالب، يعني أقدم من الخليل وسيبويه. النحويون جالسون في حجرهم يضعون قواعد ويضيفون إليها إذ تبرز أمامهم طوارئ مردها أن اللغة عنيدة وتمضي بشكل “شيطاني”.

غالبا ما يتحدّى أي إعرابي أرقى قواعد سيبوية وغيره من المثقفين العلماء. يمكث العالم دهرا يقارن ويشذب ويهذب ليصنع قاعدة فيأتي مارّ عابر من تميم يقود جملا ويجبر النحوي على العودة إلى حجرته لينفق دهرا آخر في وضع استثناء وشروط.

النحاة قرروا أن لكل فعل فاعلا. لكنهم سرعان ما اصطدموا بحقيقة أن المتكلم يريد أن يخبر عن حدث لا غير. وهذا أمر موجود في كل اللغات ومن حقنا أن نخبر عن حدث وقع لا عن مرتكبه. المتكلم يريد أن يخبرني أن الشنطة سُرقت ولا يريد أن يخبر عن سارق. لكن النحاة وضعوا قاعدة وجود فاعل لكل فعل وتورطوا، فاستنبطوا فكرة المبني للمجهول وكأن من يريد أن يخبرني عن سرقة الحقيبة ولا شيء سوى هذا، يتستر على السارق ويبقي عليه مجهولا.

والأسخف هو أن القدح المكسور والحقيبة المسروقة يصيران نائبا لمن كسر القدح أو سرق الحقيبة، أو ما يسمى بنائب الفاعل. وكان عندي صديق لا يمل من الشكوى من أن المرأة القتيل في جملة “قُتلت المرأة” تعد نائبا للقاتل الذي ذبحها.

24