القاعدة وداعش يتنازعان على تزعم الإرهاب في العالم

الأربعاء 2015/02/25
معركة الجهاديين في ما بينهم تقوم على من هو الأقدر على سفك الدماء أكثر من الآخر

واشنطن - فروع التنظيمات الجهادية الّتي كانت في مجملها تابعة لتنظيم “القاعدة” فيما مضى، أو على الأقل متعاطفة معها، بدأت تشهد انقسامات عديدة فيما بينها مع بروز تنظيم “الدولة الإسلامية”، السنة الماضية، وسيطرته على قطاع واسع من الأراضي العراقية والسورية وظهور العديد من البؤر الجهادية في العالم. انقسامات وتداخل جغرافي دفعا الباحث سكوت ستيوارت، إلى قياسها حسب المنطقة بدل تقييمها بالاسم تحديدا (خاصة أنّ هذه التنظيمات تشهد الآن انقسامات داخلية هي الأخرى) في دراسة صادرة عن مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية.

حالة الانقسام والتشرذم التي بدت تَسِمُ الحركة الجهادية العالمية، بعد احتدام الصراع على النفوذ بين تنظيم “القاعدة” والموالين له من جهة، وتنظيم “الدولة الإسلامية” ومن أعلنوا له الولاء من جهة أخرى، بدأت تُنبئ بزيادة موجة الإرهاب والترهيب التي يمكن أن تطال أماكن عديدة من العالم وأن تهدد الأمن الدولي عموما، خاصّة أنّ معركة الجهاديين في ما بينهم تقوم على من هو الأقدر على سفك الدماء أكثر من الآخر، وهو ما بدا واضحا من خلال الجرائم التي يقوم بها تنظيم “الدولة الإسلامية” في كلّ من العراق وسوريا وحتى في ليبيا، وكذلك ردود الأفعال والجرائم الصّادرة عن تنظيم “جبهة النصرة”، الموالي للقاعدة، والّتي تتشابه مع بعضها البعض من حيث الوحشية إلى حدّ بعيد.

هذه الانقسامات يرصدها الباحث سكوت ستيوارت في دراسته الصادرة عن مركز ستراتفور للدراسات الإستراتيجية، حسب المناطق التي تتمدد فيها الجماعات الجهادية كالآتي:


الجزيرة العربية


كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب منذ زمن طويل أحد أقوى فروع القاعدة، وربما يملك الروابط الأيديولوجية وربما الشخصية الأمتن مع تنظيم القاعدة الأم. كما اضطلع التنظيم بدور قيادي في جهود حركة القاعدة لتنفيذ هجمات عابرة للحدود الدولية في الغرب على مدى السنوات الأخيرة.

وتتضح العلاقة الوطيدة بين القاعدة الأم والقاعدة في جزيرة العرب، وفق دراسة الباحث سكوت ستيوارت، الصادرة عن مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية، أثناء بروز الخلاف بين القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، إذ حثت القاعدة في جزيرة العرب “الدولة الإسلامية” للتصالح مع القاعدة وجماعات جهادية أخرى مثل “جبهة النصرة” في سوريا.

لكن هذا التنظيم قام أيضا بنشر تصريحات منتقدة للطريقة التي أعلنت بها قيادة “الدولة الإسلامية” إقامة الخلافة، ممّا تسبّب في ردة فعل قوية من قبل الطرف المقابل.

ليس من المستغرب أن ينقسم المقاتلون في سيناء نظرا للارتباطات السابقة مع مصعب الزرقاوي من جهة وأيمن الظواهري من جهة أخرى

ونظرا لهذا الأخذ والرّد (إضافة إلى غرور الشخصيات المعنية) من المستبعد، وفق ستيوارت، حصول تصالح بين التنظيمين في المستقبل القريب. ويقال إنّ هذا الصراع أدى أيضا إلى تكوّن تنظيم جهادي تابع لـ”الدولة الإسلامية” في اليمن لمنافسة القاعدة في جزيرة العرب (التي تعدّ منطقة عملها). لكن هذا التحرك من قبل “الدولة الإسلامية” له قيود، فمن المستبعد أن يسمح تنظيم القاعدة بتكوين تنظيم منافس في اليمن قد يزاحمه في المنتدبين والموارد والنفوذ. مع أنه يمكن أن تتلقى جهود الجماعة التابعة لـ”الدولة الإسلامية” دفعا قويا إذا تسبب صراع القاعدة في جزيرة العرب مع الحوثيّين في إضعافها بشكل كبير.

وقد دخلت القاعدة في جزيرة العرب صراعات في اليمن منذ أن استولى التنظيم على مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية سنة 2011. وفي سنة 2012 تكبّد هذا التنظيم خسائر فادحة ناتجة عن هجومات نفّذتها الحكومة ومازال إلى الآن يتلقى ضربات من الحكومة اليمنية وضربات جوية أميركية متفرّقة، وهو الآن أضعف ممّا كان عليه سنة 2011. وتتبيّن إحدى علامات ضعفه في عجزه على شن هجمات ذات نتيجة ضدّ حشود كبيرة موالية لمتمردي الحوثي في صنعاء في أغسطس وسبتمبر الماضيين.

غير أنّه يبدو أنّ تقدم الحوثي، مؤخرا، في اليمن أتاح فرصة جديدة لازدهار القاعدة في جزيرة العرب، لأنّ خصوم الحوثي يرون التنظيم حليفا محتملا لهم مما زاده قوة. ومنذ بداية ديسمبر الماضي بدأت القاعدة في جزيرة العرب تنفذ هجمات أوسع وأكثر نجاعة ضد قوات الحوثي في محافظات مأرب وإب والبيضاء. لكن الولايات المتحدة مازالت مركزة على احتواء هذه الجماعة وتواصل استخدام كل الأدوات في محاربة الإرهاب، وهو ما يعني أنّ الجماعة ستستمرّ في الكفاح من أجل الوجود سنة 2015.


مصر وشمال أفريقيا


في العام الماضي، استمرت القوات الأمنية الجزائرية في ممارسة ضغوط هائلة على وحدات القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في مخابئها الجبلية شمال الجزائر. وتدعمت هذه الضغوط بالحملات العسكرية التي قام بها الجيش التونسي ضدّ تنظيم “أنصار الشريعة” على الجانب التونسي من الحدود.

تنظيم القاعدة من المستبعد أن يسمح بتكوين تنظيم منافس له "الدولة الإسلامية" في اليمن قد يزاحمه في المنتدبين والموارد والنفوذ

ولكن على الرغم من ذلك مازالت الوحدات الجهادية المرتبطة بالقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، ومنافسها، الجماعة التي تسمي نفسها “المرابطون”، تواصل التحرك على مساحات شاسعة على طول منطقة الساحل بغية اختطاف مواطنين غربيين وتهريب السلع الممنوعة وتنفيذ هجمات إرهابية متقطعة. لكن تهديد هذه المجموعات يبقى ضعيفا ولا يوصف بكونه حاد، في ظلّ سيطرة الحكومات التي تتعاون مع فرنسا والولايات المتحدة على الوضع.

كذلك الأوضاع في ليبيا، مازالت مستمرّة على نفس الحال من الفوضى، حيث ينشط عدد كبير من المليشيات في البلاد، أغلبها جهادية. وقد أظهرت بعض التنظيمات مثل “أنصار الشريعة” الليبي اتصالات مع “القاعدة” بينما بايع الجهاديون في درنة تنظيم “الدولة الإسلامية” وأعلنوا عن ولايات في ثلاث مناطق ليبية. وسيستمر هؤلاء الجهاديون في تمثيل خطر وتهديد للأمن الإقليمي في المستقبل المنظور، خاصّة بعد العملية الانتحارية التي استهدفت نزل كورينثيا في طرابلس بتاريخ 27 يناير الماضي.

أمّا في مصر فقد انقسم تنظيم “أنصار المقدس”، إذ أعلن فصيل من التنظيم في شبه جزيرة سيناء مبايعته لـ”الدولة الإسلامية” ويدعو نفسه الآن “ولاية سيناء”، في حين أنّ القيادة داخل مصر بقيت موالية للقاعدة. وليس من المستغرب أن ينقسم المقاتلون في سيناء نظرا للارتباطات السابقة مع مصعب الزرقاوي، مؤسس القاعدة في العراق، وهو التنظيم الأم لـ”الدولة الإسلامية” من جهة، ووجود مواطنين مصريين حاليا في تنظيم القاعدة الأصلي وأبرزهم أيمن الظواهري.


العراق والشام


مثلما هو الحال في ليبيا يتميز المشهد الجهادي في سوريا بالتعقيد والتمييع وصعوبة الفهم. وتتجلى هذه الضبابية، وفق ستيوارت، فيما وجدته الولايات المتحدة من صعوبة في إيجاد ما يُسمى بوحدات التمرّد “المعتدلة” حتى تدعمها بالسلاح والتدريب. وبالإضافة إلى تمدّد “الدولة الإسلامية” وفرع القاعدة في سوريا (جبهة النصرة) تتعايش ثلة من الجماعات الأخرى وفي بعض الأحيان تتعاون مع “الدولة الإسلامية” أو “جبهة النصرة” أو تنسّق مع كليهما في نفس الوقت. ويدعي تنظيم “الدولة الإسلامية” بأنّه حاصر وأعدم أعضاء مجموعات شديدة التطرف، يرون أنّ طائفية “الدولة الإسلامية” متراخية جدا ووصفهم بالخوارج.

بوكو حرام تبث الرعب في قلوب النيجيريين

كما أرسل تنظيم القاعدة الأم عددا من القياديين الكبار إلى سوريا في محاولة للتأثير على المجموعات الجهادية هناك. ويبدو أنّه يسعى إلى استخدام سوريا لاستعادة القدرة الإرهابية لديه عن طريق إرسال مجموعة عمليّاتية تسمى “جماعة خرسان” للعمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة “جبهة النصرة”. وقد استهدفت الغارات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي ضد الإرهاب هذه الجماعة المكلفة من قيادة القاعدة الأم بتنفيذ هجمات في الخارج انطلاقا من شمال سوريا.


جنوب آسيا


في ما يتعلق بطالبان الأفغانية، تشير دراسة ستيوارت، إلى أنّها تنظيم جهادي محلّي لم يبد أبدا نيته في تنفيذ هجمات إرهابية عابرة للدول. وحتّى بعض أفراد “شورى كويتا” الذين أظهروا مهارة إرهابية متطورة مثل “شبكة حقاني”، لم ينفذوا هجمات خارج المنطقة الباكستانية الأفغانية. ونظرا للدعم الذي تتمتع به طالبان إلى حدّ الآن من عناصر داخل الدولة والمجتمع الباكستانيّين، من المحتمل أن تصبح أكثر قوة في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة سواء عبر نوع من التّسوية أو عن طريق قوّة السلاح.

وقد أعلنت طالبان الباكستانية الحرب على حكومة بلادها والمسلمين من غير السنة في باكستان. وهذه النزعة الطائفية لبعض الفصائل من طالبان الباكستانية تجعلهم عرضة لتقبّل فكر “الدولة الإسلامية”، حيث أعلنت بعض الفصائل التابعة لها الولاء لـ”الدولة الإسلامية”. ومن جهة أخرى صرّحت “الدولة الإسلامية” أنّ طالبان الأفغانية ضالّة وتطبق شكلا خاطئا من الشريعة، وهو أمر من المحتمل أن يزيد في التوترات بين فصائل طالبان الأفغانية وفصائل طالبان الباكستانية التي بايعت “الدولة الإسلامية”.

وفي سبتمبر 2014 أعلنت القاعدة عن إنشاء فرع جديد في جنوب آسيا يسمى القاعدة في شبه القارة الهندية، مع الإشارة إلى أنّ الجهاديين كانوا ينشطون منذ زمن في تلك المنطقة بما في ذلك الهند وبنغلادش. ولهذا يبدو أنّ الإعلان عن تكوين فرع جديد لا يعدو أن يكون سوى استعمال لاسم تجاري، ولن يضفي زيادة حقيقية في القدرة العملياتية في المنطقة.

ومن ثم لا ينتظر أن تشهد المنطقة زيادة ملحوظة في التهديدات بسبب هذه الجماعة الجديدة.

المشهد الجهادي في سوريا يتميز بالتعقيد والتمييع وصعوبة الفهم مثلما هو حال الوضع في ليبيا


الصومال وبوكو حرام


تواصل انحدار “حركة الشباب” على مدى السنة الماضية بسبب الخلافات والصراعات الداخلية التي شقتها. كما تكبدت الحركة خسارة فادحة في سبتمبر 2014 عندما قتل قائدها، أحمد عبدي غودان، خلال غارة أميركية استهدفته.

وقد منحت وفاة غودان فرصة لهذا التنظيم للانضمام إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” الصاعد، لكن عوضا عن ذلك جددت القيادة الجديدة للحركة بيعتها للقاعدة، والغالب للظّن أن هذا القرار كان بدافع علاقتها الوثيقة بالقاعدة في جزيرة العرب وارتباطها بها.

وفي السنة الماضية تمكّنت جماعة بوكو حرام من زيادة حجم عناصرها ومناطق توسعها في أفريقيا، مما زاد من شدّة خطرها. ومن نواحي عدّة يتشابه تطورها مع تطور تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث تمكنت بعد تنفيذ مجرّد هجمات إرهابية وعمليات مسلحة خاطفة من السيطرة على مناطق واسعة في شمال نيجيريا والمحافظة عليها.

وتخلص دراسة ستيوارت إلى أن الفكر الجهادي مادام مستمرا في الانتعاش والتحول سيواصل جذب التابعين له، ولهذا فإنّ الحلّ النّاجع لمجابهته لا يمكن أن يكون عسكريا فحسب.

والغرب، وفق تقديره، لا يمكنه أن يتخلّص من هذا المشكل بأعمال القتل، وهو لا يملك كذلك أيّة مكانة في أرض المعركة الفكريّة حيث تتوجّب عليه مجابهة الجهادية.

لكنه بالطبع مطالب بمواصلة محاربة التنظيمات الجهادية بكل الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب بيد أنّ هذه الأدوات لا يمكنها إلاّ تخفيف التهديد الجهادي وليـس التّخلص منه بشكـل تام، فالمعالجـة الفكرية هي الأساس.


تفاصيل أخرى:


قياديان إسلاميان سابقان: داعش سكين لذبح الإسلام

6