القاعدة وهيئة تحرير الشام:  تنظيمان أو تنظيم واحد

هيئة تحرير الشام قد تشكل تهديدا أكبر من داعش في سوريا.
الأربعاء 2019/01/16
تهديد طويل المدى في سوريا

على الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية لا تزال تركّز على تنظيم داعش، باعتباره التهديد الأكبر في سوريا، والذي يمكن أن يعود على خلفية التطورات الأخيرة والموقف الأميركي المتذبذب، إلا أن بعض الدراسات تحذّر من أن هناك تنظيما آخر لا يقل خطورة ويحتاج تسليط الضوء عليه، وهو هيئة تحرير الشام والتي تعد بمثابة قنبلة موقوتة يمكن أن تشكل تهديدا طويل المدى بشكل أكبر للأمن القومي الأميركي واستقرار سوريا.

باريس - عند إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا توجّهت أغلب التحذيرات إلى أن الحديث عن مثل هذا القرار يعني عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دون الانتباه إلى تنظيم آخر، قد يكون أكثر خطورة، وفق بعض المختصين، وهو هيئة تحرير الشام، التي باتت تسيطر على القسم الأكبر من محافظة إدلب، ومازالت علاقتها بتنظيم القاعدة محل استفهام.

ومثلها مثل تنظيم داعش، تطورت حركة هيئة تحرير الشام بسرعة في بوتقة الحرب الأهلية في سوريا. وكانت في بدايتها تظهر موالاتها لتنظيم القاعدة، لكنها بعد تطور الحرب في سوريا أعلنت أنها قطعت روابطها مع تنظيم القاعدة، إلا أن العديد من المسؤولين والمحللين يؤكدون أن علاقات وثيقة مازالت تربطها بالتنظيم الأم وهو القاعدة.

واستنادا إلى التغييرات المتكررة للاسم والقادة، وصدور تصريحات عدة نشرت على الإنترنت، يتبيّن وجود نوع من التباعد بين الطرفين، لكن العديد من الخبراء يؤكدون أنه ليس سوى عبارة عن ذر للرماد في العيون بهدف تضليل أجهزة الاستخبارات الدولية، حيث يشرف على هذا التنظيم العديد من القياديين في تنظيم القاعدة.

وكانت السفارة الأميركية في سوريا كتبت تغريدة في مايو 2017 جاء فيها “أن قلب هيئة التحرير الشام هو النصرة المجموعة الإرهابية (..) وهذه التسمية تبقى قائمة مهما كان الاسم المستخدم للمجموعة”. واعتبر “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” هيئة تحرير الشام “تنظيما إرهابيا”.

القطيعة مع القاعدة

حسن حسن: هيئة تحرير الشام أبقت على علاقتها مع حركات تابعة للقاعدة
حسن حسن: هيئة تحرير الشام أبقت على علاقتها مع حركات تابعة للقاعدة

كانت جبهة النصرة التي انبثقت عنها هيئة تحرير الشام، أعلنت في يوليو 2016 قطع علاقاتها التنظيمية مع تنظيم القاعدة بعد أن كانت بايعته. وصدر هذا الموقف بالتوافق بين التنظيمين.

إلا أن خبير الحركات الجهادية حسن حسن، الذي يعمل في مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط، في واشنطن، اعتبر أن ما حصل هو “مجرد تغيير للاسم مع الإبقاء على مبايعة سرية”.

وأضاف “لقد أبقت هيئة تحرير الشام على علاقاتها مع حركات تابعة للقاعدة في شمال سوريا، حتى أنها أعطت هذه المجموعات أراضي وموارد مع أن من المفترض أن تكون منافسة لها”، مشيرا إلى أن “أنهم يدورون في الفلك نفسه، ويقيمون اتصالات ناشطة. أما المحللون الذين ينظرون إلى الأمر باللونين الأسود والأبيض، فليس لديهم أي فكرة عن هذه الترتيبات المحلية القائمة على الأرض ويعرفها الجميع”.

وفي منطقة إدلب لا تزال بعض الفصائل الجهادية رسميا مرتبطة بالقاعدة عبر أيمن الظواهري الذي خلف أسامة بن لادن على رأس التنظيم الجهادي.

ومن أبرز هذه التنظيمات حراس الدين الذي يضم الآلاف من المقاتلين السوريين والأجانب وبينهم بعض قدامى المقاتلين في العراق وأفغانستان والحزب الإسلامي التركستاني. وحارب هذان التنظيمان إلى جانب هيئة تحرير الشام لدى سيطرة التنظيم الأخير على منطقة إدلب بمواجهة مجموعات مدعومة من تركيا.

تغييرات استراتيجية

Thumbnail

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في باريس جان بيار فيليو أن تنظيم القاعدة “يبقى منظمة مركزية تتمتع بتنظيم هرمي متماسك. وهناك إشارات عدة تؤكد فرضية قيام هيئة تحرير الشام بإعداد سيناريو ‘القطيعة’، التي أعلنت في الوقت نفسه مع قيادة القاعدة”.

وأضاف أن بقاء العلاقة بين التنظيمين “هو الذي يفسر بشكل أساسي فشل تركيا في إدلب التي كانت راهنت على الميول ‘السورية’ المفترضة لهيئة تحرير الشام” لجذبها إليها.

وعندما أعلن الانفصال الرسمي قبل عامين ونصف العام بين جبهة النصرة والقاعدة، ندد العديد من الخبراء بما اعتبروه عملية تكتيكية للخروج من وسم الإرهاب المصاحب لجبهة النصرة والقاعدة: ففي سوريا وكما في مناطق أخرى من العالم، يبقى من يحمل اسم القاعدة تحت رقابة لصيقة من أجهزة الاستخبارات العالمية.

وكتبت مجموعة صوفان الدولية للاستشارات على موقعها “حتى لو أكدت هيئة تحرير الشام أنها كيان مستقل لا علاقة له بالقاعدة، فإنها تبقى منبثقة من الفرع السوري للقاعدة بعد سلسلة تغييرات استراتيجية في الاسم”.

وتابعت هذه المجموعة الأميركية التي أسسها الموظف السابق في “أف.بي.أي” علي صوفان “رغم التغييرات المتكررة في الشكل، فإن هيئة تحرير الشام لم تغير أيديولوجيتها، ويؤكد كثيرون أنها تحتفظ بعلاقاتها مع القاعدة”. وأَضافت المجموعة “راهنت هيئة تحرير الشام منذ البدء على تعزيز علاقاتها مع منظمات محلية”، لكي تبدو مختلفة ولو رسميا عن تنظيم القاعدة وبرنامجه العالمي.

أخطر من داعش

جان بيار فيليو: إشارات عدة تؤكد إعداد هيئة تحرير الشام لسيناريو "القطيعة"
جان بيار فيليو: إشارات عدة تؤكد إعداد هيئة تحرير الشام لسيناريو "القطيعة"

مع كل توسع لها في منطقة إدلب ومحيطها كانت هيئة تحرير الشام تسلم المناطق الجديدة لـ”حكومة الإنقاذ” التابعة لها، الأمر الذي يدفع بجيمس فيليبس، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمؤسسة هيريتيج البحثية الأميركية، إلى القول إن هذا التنظيم، الذي مازال يسيطر على بعض المناطق في سوريا، قد يشكل تهديدا أكبر من داعش على المدى الطويل.

ويرى فيليبس أن خطورة هيئة تحرير الشام تكمن في رفعها شعار الدفاع عن القضايا المحلية والزعم أنها فصيل من فصائل المعارضة السورية، مشيرا إلى أنه من أجل زيادة جاذبيتها الشعبية، قدّمت هيئة تحرير فتح الشام، بعض التنازلات الأيديولوجية ما دفع البعض من الموالين للقاعدة إلى الانشقاق عنها، وأطلقوا الانتقادات ضد الجماعة باعتبارها تدافع عن القضايا المحلية مع عدم التركيز على أهمية الجهاد العالمي، الأمر الذي استغله التنظيم للترويج لانشقاقه المزعوم عن التنظيم الأم.

وبحسب التقديرات الأخيرة، تعد هيئة تحرير الشام أكبر جماعة مسلحة في إدلب. وفيما يرى الرئيس الأميركي أن الحرب على الإرهاب، ممثلا في داعش، في سوريا انتهت، يحذره الخبراء من أن هيئة تحرير الشام تشكل واحدة من أكبر التحديات بالنسبة للولايات المتحدة والدول الأخرى التي تحاول تحقيق الاستقرار في سوريا، وبالتالي فإن “النصر” الذي أعلن عنه ترامب ضد الإرهاب في سوريا هو نصر منقوص، فيما تشهد البلاد انتقالا نحو مرحلة جديدة من العنف سيكون أبطالها تركيا والأكراد وهيئة تحرير الشام، إلى جانب الفاعلين التقليديين.

7