القاموس اللغوي للإعلام المصري تحت المجهر والعقوبات الرادعة

أثارت “الضوابط الأخلاقية” التي أقرّها مجلس الإعلام المصري جدلا واسعا في مصر، فمع الإقرار بأن ظاهرة الإسفاف والألفاظ البذيئة أصبحت مستشرية في القنوات الفضائية والإذاعات وحان وقت التصدي لها، إلا أن مدى فعالية هذا القرار في ضبط المشهد الإعلامي يظل محل تشكيك.
الاثنين 2017/06/12
لا مجال للخطأ

القاهرة – لجأت الجهات المسؤولة عن ضبط الأداء الإعلامي في مصر إلى استخدام سلاح الغرامة المالية بعدما فشلت الإجراءات الأخرى في حماية المشاهدين من الألفاظ المسيئة والمنافية للمبادئ والقيم الاجتماعية، والتي تحولت إلى ظاهرة إعلامية أصبح من الصعب السيطرة عليها.

وبدأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام السبت تفعيل ما أطلق عليه "ضوابط أخلاقية" لإلزام الإعلاميين والصحافيين بالعمل به. وقال جمال شوقي شاروبين، مقرر لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مؤتمر صحافي، إن “البنود التي تتضمنها ‘ الضوابط الأخلاقية’ ليست قيودا على حرية التعبير وليست انحيازا لدول، وإنما هي نوع من التهذيب والتنقيح للأداء الإعلامي الذي خرج عن النصوص مبتعدا عن الحرفية بما لا يليق بأخلاق دولة عريقة مثل مصر”.

وينص القرار على تطبيق غرامة 200 ألف جنيه (11.11 ألف دولار) على كل قناة فضائية و100 ألف جنيه على الإذاعات، على كل لفظ مسيء يتم نشره عبر إحدى هذه الوسائل. وهدد المجلس بسحب ترخيص الوسيلة الإعلامية التي تتكرر من خلالها الإساءات ولم تلتزم بالعقوبة خلال 6 أشهر، وتعاد إجراءات الترخيص من جديد.

وتباينت الآراء حول مدى فعالية هذا القرار في ضبط المشهد الإعلامي، إذ يرى البعض أنه من الصعب تطبيق القرارات على الفضائيات والإذاعات، لأن ذلك يعني شمولية الإعلام المصري بالعقوبات، خاصة وأن الإسفاف والألفاظ البذيئة أصبحت موضة إعلامية يعتقد البعض من أصحاب المنصات الإعلامية أن تجنّبها قد يلحق بهم خسائر مالية.

كما أن مسألة سحب التراخيص يصعب تطبيقها، لأن ذلك يعني إغلاق الفضائيات والإذاعات المصرية كافة، لكن التهديد يمكن اعتباره رسالة بأن هناك تغييرات إيجابية طرأت على أسلوب المؤسسات المعنية بحماية المشاهدين وأن هناك مساعي جادة لتنقية الأداء الإعلامي من المتجاوزين والدخلاء عليه.

وأكد مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام في تصريحات لـ”العرب”، أنه “لا تهاون في تطبيق هذه العقوبات على كل من يخالف أو يتجاوز بعبارات أو ألفاظ تحمل إسفافا وتهدر حق المشاهد في متابعة إعلام محترم ومحترف يبتعد عن الإثارة والسب والقذف”.

حمدي الكنيسي: نحن لا نريد إرهاب الإعلام بقدر ما نحافظ على صورة الإعلام المصري

ويرى مؤيدون لهذا التوجه، أن تطبيق الغرامات والتلويح بالتهديدات وتطبيقها بشكل فعلي، من شأنه أن يقضي على الفوضى الإعلامية التي أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد مهنية الإعلام وتجعله هداما للقيم والأخلاق والمبادئ المجتمعية.

ويرهنون تنقية الفضائيات والإذاعات بأن يتم تطبيق العقوبات دون تفرقة بين فضائية وأخرى حسب أصحابها ودون اعتبار للعلاقات والوساطات، على أن يطال ذلك الإعلاميون أنفسهم الذين يتبادلون الشتائم فيما بينهم عند وقوع خلافات سواء بينهم أو مع إعلاميين من دول أخرى.

وقال حمدي الكنيسي، رئيس نقابة الإعلاميين لـ”العرب”، إن نقابتي الصحافيين والإعلاميين سوف تطبّق الضوابط الأخلاقية على أعضاء المهنة، بحيث لا يتم الخروج عن النص والمهنية والأخلاق وميثاق الشرف عند تناول القضايا الخلافية بين الدول العربية أو حتى بين الفضائيات وبعضها، داخليا وخارجيا.

وأوضح أن أعضاء نقابتي الصحافيين والإعلاميين سوف يكونون ملزمين بهذه الضوابط الأخلاقية، لمنع إثارة الفتنة والبلبلة وتفاقم الخلافات وتوتر الأجواء، بحيث يكون الإعلام والصحافة أدوات تنويرية. نحن لا نريد إرهاب الإعلام بقدر ما نحافظ على صورة الإعلام المصري وإعادته إلى الريادة بعيدا عن الإثارة والإسفاف، ومختلف الجهات لديها إصرار على إصلاح مسار المنصات الإعلامية.

وتقوم لجنة داخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتحديد الألفاظ والعبارات المسيئة والمخالفة لميثاق الشرف الإعلامي الذي حددته التشريعات الإعلامية الجديدة، ومن بين أعضاء اللجنة شخصيات من المجمع اللغوي تقرر ما إذا كانت هذه العبارات تحمل إيحاءات أو إسفافا أو ابتذالا من أي نوع، وسوف يكون الاعتماد الأكبر على المشاهدين الذين يتقدمون بشكاوى إلى المجلس تثبت المخالفات، على أن تكون لهم نسبة من الأموال التي سوف تحصل من الغرامات (10 بالمئة)، أما باقي الغرامة سيتم تخصيصها لدعم الأعمال الإبداعية للإعلاميين.

ويرى معارضو القرار أن الاعتماد على المشاهد في تقييم الوسيلة الإعلامية والإبلاغ عنها إذا ما تجاوزت بالقول والفعل، سواء بعمل درامي أو إخباري أو نقاشي أو غيره، من شأنه أن يحوّل المشاهدين إلى “مخبرين” أملا في الفوز بجزء من الغرامة، وهنا تتوسع قاعدة محاكمة الإعلام من الحكومة وجهات تنظيم الصحافة والإعلام لتصل إلى المشاهد.

ويعتبر بعض الخبراء أن هذا القرار لا يزال منقوصا ويحتاج إلى توضيح بنوده، فإعلان وجود غرامات وتهديدات بسحب التراخيص بسبب الإسفاف والألفاظ المسيئة دون تحديد نوع الإسفاف والكلمات والعبارات الدالة عليه، يهدد بتحويل جميع الفضائيات والإذاعات إلى متهمين، وكان يجب تعريف الناس ومختلف أصحاب الوسائل الإعلامية والعاملين فيها بـ”متى تطبّق الغرامة وأي الألفاظ ممنوع استخدامها”.

وقال أشرف بيومي، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بالمعهد العالي للإعلام، إن التصدي للانفلات الإعلامي مطلوب وفوري لأن الوضع الحالي لم يعد مقبولا وأصبح يشكل خطرا على التماسك المجتمعي والأسري، لكن ذلك يجب أن يكون بضوابط محددة، فلا يجب أن نهدد بمحاسبة أصحاب البذاءات دون تحديد نوعيتها، ما يشي بأن الغرامات والتهديدات “لا قيمة لها، لأنك تهدد دون أن تحدد هوية من تحاسبه.. هل من قال أم الوسيلة التي قيل فيها، وخلافه”.

18