القانع كمن ملك الدنيا

نيمار اليوم ليس نيمار الأمس القريب، لقد تخلص بسرعة من ثوب المغرور المتسرع والملهوف على التنطع ليرضى بأن يكون شخصا قانعا راضيا بما يحظى به حاليا.
الأحد 2020/01/19
البيت الباريسي بوابة التألق بكل قناعة

مدّ وجزر، شدّ وجذب، توتر وفتور ثم رضاء وسرور، غموض كثير وتردد كبير ثم قرار أخير، هكذا يمكن وصف حالة النجم البرازيلي نيمار دا سيلفا مع فريقه باريس سان جرمان.

منذ أشهر قليلة وتحديدا قبل بداية منافسات الموسم الجديد، أعلن نيمار صراحة أنه لم يعد يرغب في البقاء في باريس، أوضح أنه يريد خوض مغامرة جديدة، أكد أن سان جرمان لا يلبّي طموحاته، وهو يريد اللعب مع فريق أكثر قوة وقدرة على التألق خارج محيط المنافسات المحلية.

تصريحات صادمة استفزت الجميع في النادي، تقرّر إبعاده ظرفيا عن الفريق، وافق مالكو النادي على “التخلص من المغرور” في صُورة توفُّر عرض مناسب.

استجدى نيمار ووكيل أعماله العديد من الأندية، تم طرق كل الأبواب، وقف نيمار على عتبة معقله القديم في برشلونة، لكن الباب كان مغلقا بشدة، توجه نجم البرازيل صوب معسكر “العدو”، كان مستعدا للالتحاق بكتيبة ريال مدريد، بيد أن شروطا مالية مجحفة ألغت كل اتفاق.

أغلقت كل الاتجاهات وتعطلت كل المسارات، لم يكن من خيار أمام نيمار سوى البقاء في باريس، لكن بأيّ وجه وأيّ أداء بعد أن ناصب الجميع العداء.

لم يكن أمام نيمار سوى الصمت والعمل، لم يكن أمامه سوى قبول كل القرارات الإدارية والفنية حتى وإن كانت هذه القرارات متعلقة بإبعاده لفترات عن الفريق الأول.

واصل النجم البرازيلي العمل دون كلام أو صدام، حتى أتت الفرصة ليعود سريعا إلى الأجواء، فبدأ بخوض المباريات وبدأ يعمل على استعادة ما فات، كل هذا الأمر لم يمنعه من التفكير في خطوته المستقبلية.

مع تتالي المباريات ونجاحه في إذابة جبل الجليد مع أنصار النادي، استعاد نيمار هدوءه وأصبح ذهنه صافيا، فقدّر له أن يختار القرار الأسلم والأنسب في هذه المرحلة من مسيرته.

فالنجم البرازيلي الأول قرر البقاء في عاصمة الأنوار، بل أبدى استعدادا غير مشروط لتجديد عقده مع باريس سان جرمان، فبعد أن بات عطاؤه أكثر غزارة هذا الموسم، وبعد أن صالح الجماهير بأدائه الجيد وأهدافه الحاسمة، بات مقتنعا أنه يتوجب عليه التحلّي بالقناعة.

نيمار بات قانعا بما لديه حاليا وبظروفه الراهنة، بات مقتنعا بأن فرصة صعود القمة الأوروبية قد يكون ممكنا من شرفات المدينة المضيئة، شعر أن فرصة الحصول على لقب دوري الأبطال، وبالتالي المنافسة بكل قوة على لقب اللاعب الأفضل في العالم غدت ممكنة.

مؤخرا أشارت بعض التقارير إلى أن نيمار أسّر إلى مقربيه أنه أصبح يشعر براحة كبيرة صلب فريقه الحالي، وأكد أنه لم يعد يفكر في الرحيل مهما كانت الإغراءات، مشددا على أن النجاح الشخصي قد يتحقق مع باريس سان جرمان، وبالتالي فإن الحديث عن “فرقعة” إعلامية جديدة بخصوص نيمار أصبح من الماضي.

ما يمكن تأكيده أن هذا اللاعب اتشح برداء القناعة، لقد أيقن أن المقام الآمن والعيش الرغيد الذي وفّره له البيت الباريسي قد يكون أفضل بكثير من السير على حبل رفيع بحثا عن أرض جديدة.

قد يكون نيمار اليوم أكثر قدرة على التفكير السليم واتخاذ القرارات بتروّ، فما الذي يمنعه من أن يواصل تألقه اللافت هذا الموسم مع الفريق ويساعده على تسلق سلم المجد الأوروبي؟

لذلك فإن نيمار اليوم ليس نيمار الأمس القريب، لقد تخلص بسرعة من ثوب المغرور المتسرع والملهوف على التنطع ليرضى بأن يكون شخصا قانعا راضيا بما يحظى به حاليا.

هذا اللاعب يبدو أنه أدرك مفهوم حكمة عربية قديمة مفادها أن “القانع غنيّ وإن كان في حال الجوع والعرى”، وهو مع باريس سان جرمان يعتبر من أغنى اللاعبين إن لم يكن أغناهم بعد صفقة انتقال استثنائية.

هو غنيّ أيضا بما تمتع به من ترحاب كبير فور توقيعه مع الفريق، غنيّ الآن بإعجاب الجماهير الباريسية التي نسيت سريعا ما قام به في بداية الموسم وعادت تتغنى باسمه. والقانع بما كتب له هو كمن كسب الدنيا وملكها.

23