القانون أم الذائقة: من يتحكّم في لباس المرأة

الجدل الحاد بين حرية اللباس وحدود تلك الحرية ازداد في السنوات الخمس الأخيرة، في العالم العربي الإسلامي. ذلك أن المطالبة بإطلاق حرية اللباس، بوصفها قسما من الحريات الشخصية، والمناداة بتضمين ذلك في قوانين وتشريعات تصطدمُ بما طرأ على العالم العربي الإسلامي من ملابس ذات دلالات سياسية ودينية متطرفة، من قبيل النقاب. وهو ما دعا الحقوقيين إلى المطالبة بالتنصيص على حرية اللباس للمرأة العربية والبحث عن سبل حمايتها من آثار ونتائج الأزياء الدخيلة التي تعبر عن التشدد الديني.
الأحد 2015/09/27
اللباس الدخيل على المرأة العربية برمزيته الدينية المتطرفة وضع حاجزا بين مرتدياته ومجتمعاتهن

لندن - اللباس من منظور اجتماعي هو تعبير عن الهوية والانتماء. والنساء لهن الحق في التعبير واختيار اللباس الذي يعبر عن هويتهن ومعتقداتهن الدينية والثقافية والسياسية كبقية المواطنين وهو ما تحض عليه المنظمات الحقوقية في الدول العربية وغيرها من الدول التي لا تنص على هذه الحقوق لتضمينه في قوانينها لحماية المواطن من الاعتداءات المادية أو المعنوية النتجة عن اختلافه في اللباس عن غيره.

وتعاني المرأة العربية في مجتمعاتها من محاولات فرض لباس معين عليها منذ سن الطفولة، أحيانا، خاصة من قبل الأسرة والفئة الاجتماعية التي تنتمي إليها. وإن غابت المعاناة من فرض لباس معين، فإن الفتاة تجد نفسها في سياق ثقافي واجتماعي يجعلها تتبع دون تفكير أو اختيار اللباس السائد.

وبين الفرض والاختيار يظل لباس المرأة في المجتمعات العربية تعبيرة تستمد من السياق العام، وفي كثير من الحالات لا تعطي صورة صادقة ومعبرة عن المرتدي وتوجهاته الفكرية والثقافية وحتى السياسية.

وتغيب النصوص القانونية في الدساتير العربية التي تحدد اللباس الذي يجب على المرأة ارتداؤه بل يترك تحديده للعادات والتقاليد الاجتماعية التي تنشأ عليها الفتاة في بيئتها العائلية وتجدها في المجتمع المحيط بها. لكن في السنوات الأخيرة وبظهور ألبسة مثل النقاب واللباس الأفغاني أو الشرعي في المجتمعات العربية بعد صعود حركة طالبان وبازدياد أعداد المرتديات لهذا النوع من الألبسة إلى جانب عديد الأنواع الأخرى الموجودة سابقا أو التي ظهرت مؤخرا، بعد صعود الحركات الإسلامية المتشددة في عديد الدول والتي تعبر في مجملها عن الانتماء الديني والسياسي لمرتديها، ظهرت عديد المشاكل الاجتماعية التي تدور حول اللباس خاصة بالنسبة للمرأة العربية المسلمة.

وجراء الإرهاب الذي استشرى في العالم وبرز في السنوات الأخيرة وسعي المجموعات المتطرفة دينيا إلى إغواء النساء ودعوتهن لاعتماد الألبسة التي تنم عن تدينهن ومحاولات فرض الحجاب والنقاب واللباس الأفغاني بتعلات تطبيق الشريعة الإسلامية الهادفة لستر عورات المرأة، جعل هؤلاء المرأة نفسها عورة تغطى بالألبسة الفضفاضة السوداء من قدميها حتى شعرها، وهو ما يؤكد أن نظرتهم لها لا تتجاوز كونها جسدا.

مطالب كثيرة صعدت في عديد الدول، التي شهدت صراعات سياسية ودينية وظواهر اجتماعية مثل صعود وتيرة التحرش والتطرف الديني، بتضمين حرية اللباس في القوانين والدساتير

ولا تتوقف إهانة المرأة عند هذا الحد بل تتجاوزه إلى حد أن النساء أنفسهن يطالبن بذلك ويسعين لإقناع بنات جنسهن لاعتماد هذه الألبسة، دون وعي منهن بأبعاد ذلك وتأثيراته على المرأة ودورها في الحياة.

وصعدت مطالب في عديد الدول، التي شهدت صراعات سياسية ودينية وتلك التي شهدت ثورات الربيع العربي أو ظواهر اجتماعية مثل صعود وتيرة التحرش وصعود التطرف الديني، بتضمين حرية اللباس في القوانين والدساتير، وهو ما جرى في المغرب مؤخرا، بعد تواتر المشاكل الاجتماعية المتعلقة بلباس المرأة من قبيل قضية الفتاتين اللتين تم اعتقالهما ومحاكمتهما بتهمة “الإخلال بالحياء العام”، بعد استنكار مجموعات دينية متشددة للباسهما في أحد الأسواق، وهو ما دفع برلمانيات مغربيات إلى مطالبة الحكومة بالتنصيص على حرية المرأة في اختيار لباسها في الدستور باعتبارها حرية فردية تتساوى فيها المرأة بالرجل.

وكذلك في تونس حيث طفا على السطح جدل سياسي مؤخرا، حول حظر الحجاب من المدارس الابتدائية التونسية، وهو ما رحبت به بعض الجهات الحقوقية والسياسية ورفضته أخرى، وتستشهد كل جهة بنفس الفصل القانوني حول حرية اللباس، إذ يعتبره البعض ضربا لهذه الحرية ويعتبره آخرون ضمانة لحرية اللباس، خاصة بالنسبة للفتيات الصغيرات حيث تترك لهن حرية اختيار لباسهن عندما يكبرن.

وفي عديد الدول الغربية تم منع الحجاب أو النقاب من الفضاءات العامة بسبب الإرهاب والإسلاموفوبيا، وهو ما اختلف حوله الرأي العام الدولي بين مساند وبين رافض، فمنظمة العفو الدولية مثلا اعتبرت أن منع النقاب “انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان”، وخصت بالذكر ارتداء النساء المسلمات للحجاب الذي يغطي الوجه بالكامل، كالبرقع والنقاب ومنع بعض الدول في أوروبا النساء المسلمات من ارتداء هذا النوع من اللباس في الأماكن العامة، وهو ما يشكل انتهاكا لحق النساء في حرية التعبير وحرية الدين.

المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الاختلاف في تقدير الحريات الشخصية وفي قيمة حرية اللباس كأحد الحقوق التي يجب أن تكتسبها المرأة العربية في الفضاء العام بالمساواة مع الرجل، تؤكد أنه بات ضروريا اليوم التنصيص وضمان هذا الحق والحسم فيه في التشريعات والقوانين العربية حتى لا يظل مسألة خلافية تندلع بسببها الأزمات الاجتماعية وتفتح الباب أمام الاعتداء على حقوق المرأة.

20