القانون الانتخابي صمم ليضمن بقاء المؤسسة الحاكمة في لبنان

ما يقف بالفعل في وجه هؤلاء المرشحين المستقلين الذين يطمحون إلى الوصول إلى كراسي البرلمان هو سوء فهمهم العميق لعقلية وسلوك الناخبين في التصويت.
الثلاثاء 2018/03/27
ترشيحات لا تبشر بتغيير كبير

حالة المجتمع اللبناني الآن كمن يشاهد كارتون الذئب “كايوتي” الذي يسعى جاهدا للظفر بطائر “رود رانر” ولكن دون جدوى. وعلى الرغم من كون كايوتي عبقريا في تخطيط المكائد، إلا أنه لم ينجح أبدا في سعيه وراء الطير المراوغ. على الرغم من أن هذا العمل الكارتوني مسليّا ويبعث على البهجة، إلا أنه يُظهر كذلك كيف يمكن للشخصيات المعارضة أن تُحدث الكثير من الفوضى والعبث حتى تصل إلى أغراضها. ينطبق هذا التشبيه على المجتمع المدني اللبناني، الذي يحاول في الوقت الحالي استبدال النخبة السياسية القديمة في الدولة وتوجيه لبنان نحو الحكم الرشيد.

وبرغم استعداد العديد من أعضاء هذا المجتمع المدني لخوض معركة الانتخابات العامة في 6 مايو المقبل، فإن فكر هذا المجتمع والعقبات التي سيواجهها أمامه لا تعطي سببا للتفاؤل. وبالنظر إلى العديد من فصائل النشطاء المستقلين الذين يشكلون عباءة “المجتمع المدني”، نجد أن معظمهم ممن يترشحون للانتخابات ينتمون إلى واحدة من ثلاث فئات كبرى:

*مجموعة من المليونيرات ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع الذين يرغبون في تكرار مثال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في تسيير الأعمال التجارية إلى نجاح سياسي. وفي ظل غياب رؤية الحريري من هذا المشهد الانتخابي، فضلا عن تراجع دعم السعودية التقليدي، وجدت الجماهير أنفسها أمام نسخ من المرشحين، الذين يتصوّرون أنه من خلال إنشاء الجمعيات الخيرية والمنح الجامعية، وتأييد المشاهير على شاشات التلفزيون من أجل الترشح لمنصب الرئاسة، يستحقّون لقب رجال دولة.

*المجموعة الثانية هي عبارة عن خليط من نشطاء الحزب السابق والبعض من السياسيين المنبوذين ممن عارضوا في السابق قيادات أحزابهم، إما بسبب نهضة أيديولوجية وإما لأنهم ببساطة لم يتم وضعهم في الاعتبار في أي أحداث انتخابية. وإذا نظرنا إلى هذه المجموعة من بعيد، نجد أن ممثليها لم يتعدّوا مجرد أمل وميلاد آخر لمجموعة من الانتهازيين الذين يبحثون عن حصتهم من غنائم الحكومة.

*تشكّل المجموعة الثالثة أغلبية الناشطين المستقلين، والتي تشمل الشباب من الرجال والنساء الذين بنوا سمعتهم من خلال العمل مع وإدارة المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني الرائدة. فمن خلال الدعم الذي يتلقونه من الصناديق الدولية والمحلية، أصبح هؤلاء النشطاء، من خلال التفاعل مع مختلف فروع الحكومة، على وعي كامل بالعقبات الحكومية الهيكلية التي تحتاج إلى إصلاح.

النظام السياسي اللبناني في حاجة ماسّة للإصلاح، فإن الفكر السائد موجّه نحو مكافأة الناس على أساس انتمائهم القبلي الطائفي، وهي حقيقة يدركها الناخبون تماما.

وعلى الرغم من الدوافع والخلفيات المتفاوتة، تستند طموحات الفصائل الثلاثة إلى افتراضين وهميين: وهما أنهم يمكنهم بسهولة الإطاحة بالنخبة السياسية الحاكمة أو أن الناخبين سيفعلون الشيء الصحيح والتصويت من أجل التغيير.

لكن هذه الافتراضات تتجاهل الحقائق الأساسية. ففي المقام الأول، وعلى الرغم من مشاكل وقدم المؤسسة الحاكمة في لبنان، إلا أن هذه المؤسسات تتمتع بالشرعية والدعم على نطاق واسع، ولا يمكن لأيّ من المرشحين المستقلين أن يضاهيها.

والأهم من ذلك، أنه خلافا للمبادئ التي ينادي بها ناشطو المجتمع المدني، فإن القانون الانتخابي الحالي، الذي تم تصميمه ليتناسب مع المؤسسة الحاكمة، يعمل ضد التيار الذي يسيرون فيه. فكما هو الحال، يسمح القانون اللبناني للناخبين فقط بالإدلاء بأصواتهم لقوائم مغلقة على أساس التصويت الطائفي النسبي، مع منحهم خيار التصويت لمرشح واحد مفضل موجود على القائمة في الدوائر الأصغر.

وتمّ زيادة نسبة الحد الأدنى للأصوات المطلوبة للحصول على مقعد في البرلمان لضمان فوز الأحزاب السياسية القائمة فقط. ومع ذلك، فإن ما يقف بالفعل في وجه هؤلاء المرشحين المستقلين الذين يطمحون إلى الوصول إلى كراسي البرلمان، هو سوء فهمهم العميق لعقلية وسلوك الناخبين في التصويت، وهو خطأ له توابع كارثية.

يعتقد هؤلاء “المصلحون”، بمنتهى الثقة، أنه عندما يحين الوقت، سيقوم الناخبون بعمل الشيء الصحيح والتصويت من أجل التغيير، بحجّة أن الظروف السياسية والقانون الانتخابي في الانتخابات السابقة حالا دون تصويت الناخبين ضد رغبات النخبة السياسية. وبمجرد دخول الناخبين إلى غرفة الاقتراع، سينظرون بالطبع في قائمة المرشحين ولكنهم سيفكرون حتما في كيفية تحويل أصواتهم إلى امتيازات ستعود عليهم وعلى زوجاتهم وأبنائهم بموجب النظام النفعي. فالعديد من هؤلاء الناخبين قد يؤيدون الخطاب الإصلاحي للمرشحين المستقلين بل ويتشاركون منشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، عندما يأتي يوم الانتخابات، فإنهم سيعمدون إلى تأييد السياسيين التقليديين الأكثر موثوقية.

وفي حين أن النظام السياسي اللبناني في حاجة ماسّة للإصلاح، فإن الفكر السائد موجّه نحو مكافأة الناس على أساس انتمائهم القبلي الطائفي، وهي حقيقة يدركها الناخبون تماما. وبالتالي، فإن أي شخص، بما في ذلك نشطاء المجتمع المدني، يأمل في التغيير الحقيقي من خلال الانتخابات هو مثل “كايوتي” الذي يحاول جاهدا دون جدوى أن يظفر بطائر “رود رانر”.

6