القانون اللبناني يجرد المعينات المنزليات من الحق في الحب والزواج

عاملة المنزل في المجتمع اللبناني اسمها “سريلنكية” بغض النظر عن جنسيتها ولونها وعرقها. هذا التوصيف يطلقه اللبنانيون على كل عاملة منزل أجنبية دلالة على مهنتها في تعبير يشي بفوقية يتسم بها المجتمع اللبناني. ولعقود خلت ظل العمال الأجانب في لبنان ولا سيما النساء منهم عرضة للانتهاك والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية فلا مؤسسات مدنية ترعاهم، ولا قوانين تحميهم.
الأحد 2015/06/21
مساعي تأسيس "نقابة عامة للعاملين في الخدمة الاجتماعية والمكاتب والخدمة المنزلية" لم تحصل حتى اليوم على رد من وزارة العمل

طرأ تغيير طفيف على هذه القضية في السنتين الأخيرتين بعد أن بدأت صرخات العمال تتعالى، وكثرت حوادث الانتحار. وفي ظاهرة لافتة باتت أخبار العمال الأجانب وأوضاعهم تتصدر نشرات الأخبار، ما أسّس لبيئة داعمة ومؤيدة لحقوقهم، وصلت إلى حد المطالبة بترخيص نقابة خاصة بهم.

منذ التسعينات بدأت موجة استقدام العمال الأجانب إلى لبنان. كانت الحرب اللبنانية قد وضعت أوزارها وعاد الأمن والاستقرار مع بداية أزمة اقتصادية، ما اضطر سيدات لبنانيات كثيرات لاقتحام سوق العمل، وشجع على استقدام عاملات أجنبيات للقيام بأعباء الخدمة المنزلية ورعاية الأبناء.

ويتوافد العمال إلى لبنان من مختلف البلدان الفقيرة، جنسيات متعددة شكّلت مجتمعا داخل المجتمع اللبناني. من أقصى آسيا إلى أفريقيا. يصلون إلى بلد لا يفقهون لغته، ولا أساليب عيشه. يعملون في ظروف قاسية ومهينة، ما خلا من أسعفه الحظ منهم بإيجاد عائلة ورب عمل ممن ينظرون إلى الإنسان كقيمة بحد ذاته بغض النظر عن وضعه الاجتماعي وجنسه ولونه.

وتقول الإحصاءات إن عاملة أجنبية تموت أسبوعيا في لبنان، وأن واحدة على الأقل تتعرض لانتهاك معنوي وجسدي ما عدا القابعات في سجون الأمن العام اللبناني. في المقابل شهدت السنوات الأخيرة محاولات قتل سيدات أو أطفال من بيوت مخدوميهم، نفذتها عاملات أجنبيات وحالات سرقة وفرار من البيوت.

تأسيس النقابة لتحقيق العدالة

بعربية ركيكة تشرح “كوماري” النحيلة حد الخيال معاناتها في العمل. تقول إنها تستيقظ في الخامسة فجرا وتنام بعد منتصف الليل. وأن ربة المنزل تعد حبات الفاكهة قبل النوم للتأكد من أنها لن تتناول شيئا منها. ربما لا تعلم كوماري أن العقد ينص على العمل عشر ساعات يوميا فقط. وأنه يحق لها بيوم إجازة في الأسبوع. حين وصلت إلى لبنان دربها مدير المكتب على الأعمال المنزلية وكيفية التعامل مع أصحاب العمل، وأبقى شروط العقد خفية عنها.

فرح سلقا المنسقة العامة لحركة مناهضة العنصرية في لبنان: "تعتبر العاملة من بين أغراض المنزل، فلا رقيب ولا حسيب سوى ضمير الكفيل"

تطابقت دراسة حديثة شملت معظم البلدان العربية مع إحصاءات أجرتها وزارة العمل والسفارة السريلانكية، تثبت أن لبنان يأتي في طليعة هذه الدول من حيث استقدام الخادمات نسبة إلى مساحته وعدد سكانه. وتبقى العمالة السريلانكية إحدى أهم الجنسيات الأجنبية في لبنان حيث تشير إحصاءات وزارة العمل إلى ما يفوق 250 ألف عقد عمل. تقبل ربات البيوت على استقدام السريلنكيات لأنهن الأقل أجرا بين المستخدمات في الأعمال المنزلية واللواتي تتراوح أجورهن بين 10 و400 دولار شهريا حسب الجنسية.

باشر كاسترو عبدالله، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدين، منذ العام الماضي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وهيئات المجتمع المدني، مساعيه بتأسيس “نقابة عامة للعاملين في الخدمة الاجتماعية والمكاتب والخدمة المنزلية”. لم يحصل حتى اليوم على رد من وزارة العمل، لا سلبا ولا إيجابا. يوضح لـ”العرب” أن وزير العمل الحالي سجعان القزي، المنتمي لحزب الكتائب، يذهب في تصريحاته الرسمية والعلنية في مطالبته بحقوق هؤلاء العمال أبعد من النقابة والاتحاد نفسيهما. لكن القضية ظلت في حدود الكلام ولم تسلك المنحى القانوني التشريعي المطلوب.

الإجحاف الذي يطال هذه الشريحة العمالية (العاملين في الخدمة المنزلية إضافة إلى عمال ورش البناء والزراعة وغيرها) يكمن في استثنائهم من قانون العمل اللبناني الذي أقر منذ سبعين عاما، لأن غالبية هؤلاء العاملين كانوا يعملون لدى الإقطاعيين وأصحاب الأملاك. المفارقة أن قانون العمل ينص على أن كل من يحمل إجازة عمل وإقامة، شريطة أن يكون قد تجاوز الـ18 من عمره، وله الحق بالانتساب إلى النقابة. هنا مكمن التناقض في التشريع.

يوضح الأمين العام لاتحاد نقابات العمال لـ”العرب” “نحن كنقابة للعمال المستخدمين لا نميّز بين عامل وآخر. فهؤلاء العاملات يعملن من باب اقتصادي لأن دولهن تنتهج سياسة تصدير اليد العاملة لتحل مشاكلها الاقتصادية، وبالتالي هن يساهمن أيضا في حل مشكلتنا الاقتصادية عندما تستعين بهن المرأة اللبنانية لتخرج بدورها إلى العمل”.

صوّت لبنان في مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف عام 2011 على الاتفاقية 189 القاضية بمنح العاملات في المنازل حقوقهن. علما أن لبنان مدرج على لائحة الدول التي تنتهك حقوق هؤلاء العمال إلى جانب بعض الدول الخليجية.

العمالة السريلانكية هي إحدى أهم الجنسيات الأجنبية في لبنان

يقول عبدالله إن هيئات المجتمع المدني سبقت النقابات في حمل لواء قضية العمال الأجانب، وإنما من منحى الخدمة الاجتماعية في حين أن الاتحاد يسير بها من زاوية حقوقية واقتصادية وهو مستمر في نضاله حتى يصل إلى تأسيس نقابة للعمال الأجانب.

يحرص الاتحاد على متابعة مشاكل العمال من الناحية القانونية، ويعمل على تأمين محامين لمتابعة الشكاوى العالقة التي يتقدم بها العمال إلى المحاكم، منبها إلى أن هؤلاء العمال يجهلون اللغة والقوانين والتشريعات وبالتالي يتعرضون للاستغلال.

الحب الممنوع والسمسرة

لا تقتصر سياسة التمييز ضد عمال الخدمة المنزلية في استثنائهم من قانون العمل. تستكمل فصولها في قرارات صدرت تباعا عن المديرية العامة للأمن العام على غرار القرار الذي صدر العام الفائت والقاضي برفض تجديد إقامات أولاد العاملات في الخدمة المنزلية المقيمين في لبنان، فعاملة المنزل (فئة رابعة) لا يحق لها ما يحق للمستخدمين الأجانب من الفئتين الأولى والثانية.

وفي أواخر العام الماضي، أصدرت وزارة العدل تعميما إلى كتاب العدل في لبنان ينص على أن يتعهد صاحب العمل تجاه المديرية العامة بعدم وجود “أي علاقة زواج أو ارتباط من أي نوع كأن ترتبط العاملة بأي شخص عربي أو أجنبي مقيم على الأراضي اللبنانية”. كما يتعهد أنه “في حال تبين لاحقا وجود أي علاقة زواج حصلت بعد دخول العاملة يجب مراجعة الأمن العام بعد تأمين تذكرة سفر بغية ترحيلها إلى بلدها”.

هذا التعهد أثار سخط الحقوقيين وهيئات المجتمع المدني لما يتضمنه من انتهاك لحرية العاملة الشخصية. ولا يقتصر الأمر هنا على مجرد الكشف على بيانات العاملة الرسمية للاطلاع على ما إذا كنت متزوجة أم عزباء، بل يستبيح حريتها، ويخرق خصوصيتها، ويحول حياتها الشخصية إلى شأن من شؤون صاحب العمل عندما يعطيهم الحق بالتحري عنها، مثل التدقيق في هواتفهن، ورسائلهن، ومكالمتهن، ومعرفة أماكن تمضية إجازاتهن..إلخ.

تتكاثر مكاتب استقدام الخادمات في لبنان كالفطريات. وتقوم بمهمة استقدام العمال الأجانب على حساب المؤسسة الوطنية للاستخدام التابعة لوزارة العمل والموكلة أصلا بهذا الملف. تفشت مكاتب الاستخدام منذ عهد حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري عندما عين عبدالله الأمين وزيرا للعمل، بسبب زبائنية النظام اللبناني الذي يتيح للمتنفذين وأزلام زعماء الطوائف الحصول على مكاسب. الإحصاء الرسمي اليوم يشير إلى وجود 600 مكتب مرخص بالتوازي مع وجود “مكاتب ظل”، تنمو على هامش المكاتب الرسمية، ويديرها سماسرة أو موظفون في القطاع العام يفتتحونها بأسماء زوجاتهم أو أقاربهم، ويطبقون سياسة “الاتجار بالبشر” و”تجارة الفيز” وتمر عملية استقدام الخادمات إلى لبنان بالمراحل التالية:

صوت لبنان في مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف عام 2011 على الاتفاقية 189 القاضية بمنح العاملات في المنازل حقوقهن

تتقدم الراغبات في العمل بلبنان بطلب عمل بأحد المكاتب في بلدها، فيقوم هذا المكتب بإرسال الطلبات إلى المكاتب المتعاملة معه في لبنان، من ثم يقوم مكتب الاستخدام اللبناني بعرض الطلب على الكفيل الذي يرغب بتوظيفها. يختار الكفيل العاملة حسب المواصفات التي يريدها.

يقول أحد أصحاب المكاتب أن الكفيل يتفحص الطلبات وصور العاملات ويقرر بناء على الجنسية أو اللون أو مؤهلاتها العلمية كأن تجيد لغة أجنبية كالإنكليزية أو الفرنسية، وخبرتها العملية. ثم يتم التعاقد بين الفرقاء الثلاثة، حسب اتفاقية من السفارة حسب جنسية العاملة.
لكن غالبا ما يلجأ صاحب المكتب إلى تنظيم عقد مستقل بينه وبين الكفيل يتيح له المناورة والإفلات من القانون. وبعد توقيع العقد يأتي دور الوزارة لتعطي موافقتها ليتحول بعدها ملف العاملة إلى الأمن العام الذي يقوم بدراسة الطلب للتأكد من قدرة الكفيل المادية وتوفر الظروف المعنوية لإيواء عاملة في منزله.

تمنح الموافقة بعد التأكد من استيفاء الشروط على منح العاملة إجازة عمل لمدة ثلاثة أشهر تخولها الدخول إلى لبنان. يتكفل الكفيل أو صاحب المكتب متابعة تأمين الشروط القانونية وأهمها إجراء فحوص طبية تؤكد أنها سليمة من الأمراض المعدية. تعطى بعدها الإقامة القانونية السنوية. لا يخلو الأمر من تجاوزات ترافق هذه المرحلة إذ يعمد بعض أصحاب المكاتب إلى تزوير الفحوصات الطبية كي لا يتكبدوا تكاليف إعادة ترحيل العاملة إلى بلدها.

العاملة قطعة أثاث

تعتبر فرح سلقا المنسقة العامة لحركة مناهضة العنصرية في لبنان أنه من غير المقبول في بلد مثل لبنان أن يكون هناك 250 ألف عامل أجنبي بلا قانون يرعاهم. العدد هنا تقريبي وخاضع للتغيير نظرا لكسر الكثير من العمال لشروط إقامتهم والبقاء بصورة غير شرعية. وترى سلقا أن الظلم يلحق بالعامل من خلال ثلاثة عوامل تتحكم به:

كل من يحمل إجازة عمل وإقامة يحق له الانتساب إلى النقابة

* نظام الكفالة وما يتركه من هامش للكفيل ومكتب الاستخدام بالتحكم به.

* وزارة العمل التي لا تشمله بقوانينها ولا تسمح ببديل آخر للقيام بهذه المهمة.

* موضوع العنصرية والتمييز بشكل عام. لا تنفي سلقا أن قسما كبيرا من أرباب العمل يتعاملون بشكل لائق مع العاملات لديهم، لكن بمجرد خروج هؤلاء من المنزل إلى الشارع سيتعرضن للكثير من الإهانات والتجريح.

لدى سؤالنا المنسقة في حركة مناهضة العنصرية عن أهم الشكاوى التي يتلقونها من العاملات تقول “يمكن أن أتحدث عن مئات المشاكل التي تبدأ بالاغتصاب، وتنتهي بعدم دفع رواتبهن لمدة تتجاوز السنة. في حالات كثيرة العاملة تعتبر من بين أغراض المنزل، فلا رقيب ولا حسيب سوى ضمير الكفيل”.

وبسبب المعاملة السيئة بدءا من تخطي حدود ساعات العمل، إلى عزلها في البيت وعدم السماح لها بالخروج، إلى حجز أوراقها. لا يبقى أمام العاملة سوى الفرار. ولأنها تخرج بلا أوراق تتخفى لفترة معينة إلى أن يقبض عليها الأمن العام ويزجها في السجن، وهنا تبدأ الدوامة.

ردا على سؤال الـ”عرب” عن الأسباب التي تحول دون توقيعه على ترخيص لنقابة عمال الخدمة المنزلية، قال وزير العمل اللبناني “لست أنا من يمنع بل القانون اللبناني. وأنا أطبقه”. من جهة أخرى أكد القزي أنه عمل منذ تسلمه الوزارة على تحسين أوضاع العمال والعاملات.

ومما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في كشف التجاوزات التي يتعرض لها العامل الأجنبي إلى الواجهة الإعلامية، ولجم بعض المتجاوزين ووضعهم أمام مسؤولياتهم تفاديا للفضائح والتشهير في انتظار منح وزير العمل ترخيصا بإنشاء نقابة خاصة للمستخدمين الأجانب، فلا شيء يؤشر إلى تغيير جذري في أوضاعهم التي تضع الدولة والمجتمع اللبناني بجميع فئاته تحت طائلة المساءلة الأخلاقية والإنسانية.
20