القانون وحده لا يكفي لمنع جرائم الزواج بالإكراه

الأربعاء 2014/11/12
الزواج القسري يتم في إطار سري أساسه الترهيب والتخويف

تنبه نشطاء حقوق الإنسان في وقت قريب، وبعد دخول القانون الذي يجرّم الزواج القسري حيز التنفيد في بريطانيا، إلى أن القانون وحده لايكفي دون مساندة منظمات المجتمع المدني وأفراد المجتمع عموما وخاصة مجتمع الأقليات والجاليات التي يسود فيها عادة هذا النوع من الزواج وغالبها تعد من الجاليات المسلمة.

لا يمكن للضحايا من الفتيات الصغيرات الاستفادة من مكاسب قانون تجريم الزواج القسري إلا إذا قمن بالتبليغ عن المتورطين بأنفسهن، وهم في الغالب الأم والأب وأقرب المقربين، وهذا ما يصعّب المهمة لدى بعض الفتيات ويجعلها شبه مستحيلة بسبب شدة ارتباطهن بأسرهن، يدفعهن في ذلك الحب أو الخوف من طائلة مخالفة الأوامر أو محاولة الإفلات من قيد العادات والتقاليد البالية التي تشد مصائرهن بخيوط قاسية إلى مستقبل مجهول، تضيع على عتباته طموحاتهن وتموت فيه أحلامهن.

وكانت قصة الفتاة الكردية بناز التي “أجهز” عليها أحد المجرمين المأجورين بدم بارد وبتحريض من والدها، إحدى هذه القصص المخجلة في سلسلة “حفلات” الشرف التي هزّت المجتمع البريطاني قبل سنوات والسبب كان رغبة الضحية، بعد أن طلّقت من زواج قسري وهي بعمر السابعة عشرة، الزواج مجددا من شاب اختارته بملء إرادتها وهو ما يعد أمرا محظورا من وجهة نظر “الأهل” الجناة.

أغلب الزيجات لا تتم على الأراضي البريطانية وإنما تجبر فيها الضحايا على السفر إلى موطنها الأصلي خلال العطلة الصيفية للمدارس

وقبل أن تتطور الأمور إلى جرائم أخرى، فإن بعض الضحايا من الفتيات الصغيرات مازلن يمتلكن الشجاعة اللازمة لتحدي الظروف القاسية، بفضل المحاولات المستميتة لتخطي حواجز الخوف والرغبة في إيصال أصواتهن إلى المعنيين لطلب المساعدة أو التبليغ عن الخروقات والجرائم التي يقوم بها الأهل بوعي أو من دون وعي.

وآخر هذه الاستغاثات وصلت من فتاة بريطانية (س) من أصول أفغانية، عانت على مدى أكثر من ست سنوات من تهديدات وضغوط متواصلة من قبل أبويها لإجبارها على القبول بالزواج بالإكراه من أحد أقاربها في بلدها الأم. وتعرضت الفتاة خلال هذه السنوات إلى تهديدات متكررة بالقتل في حال مواصلتها الرفض أو لجوئها إلى طلب الحماية من السلطات القضائية في بريطانيا كما فعلت في وقت سابق، وكان التهديد هذه المرة أكثر قسوة حين أبلغتها الأم بنية والدها استدراجها للسفر إلى بلدها الأصلي لتخييرها بين القبول بالزواج أوتنفيد التهديد بالقتل، بقطع رأسها!.

وكانت المحاكم البريطانية في السابق قادرة فقط على إصدار أوامر قضائية بمنع الزواج بالإكراه، في بعض الحالات التى يتم الإبلاغ عنها دون وجود نصوص صريحة في القانون تسمح بالعقاب، حتى دخل القانون الجديد حيز التنفيد منذ فترة قصيرة والذي اعتبر الإجبار على الزواج جريمة جنائية يواجه مرتكبها عقوبة قضائية قد تصل إلى السجن 7 سنوات.

القانون الذي فتح أبواب الأمل لحماية آلاف الأشخاص من الضحايا المحتملين، صمم ليطبق أيضا على الرعايا البريطانيين في الخارج الذين قد يتعرضون لخطر الإكراه على الزواج. إلا أنه –فيما يبدو- لم يكن رادعا كافيا لأهل الفتاة الضحية (س) الذين أصروا على تزويجها بهذه الطريقة المهينة وتعريضها لسوء المعاملة والتعنيف والإهانة والحرمان من حقها في إكمال تعليمها أو العيش بكرامة، تنفيدا لرغبة تقاليد بالية ومصالح شخصية دأبت بعض العائلات المهاجرة على التمسك بها على الرغم من السنوات التي قضتها في المهجر.

القانون الذي فتح أبواب الأمل لحماية آلاف الأشخاص، صمم ليطبق أيضا على الرعايا البريطانيين في الخارج

وكإجراء أولي، تحفظت السلطات البريطانية على وثائق سفر جميع أفراد أسرة الفتاة ضمنها وثائق ثلاثة أطفال لمنعهم من السفر، للاشتباه في نية الأهل إجبار الفتاة على الزواج أو تنفيذ تهديداتهم لها بالقتل، وكانت الخطوة أيضا محاولة لتوفير الحماية اللازمة لبقية الصغار من أبناء الأسرة خوفا من احتمال تعرضهم لظروف مشابهة.

وتبنت السلطات المعنية هذا الإجراء بصورة مؤقتة لحين انعقاد جلسة المحكمة في شهر ديسمبر المقبل، ومن المؤمل أن تصل عقوبة مخالفة القوانين ومحاولة تهريب الفتاة إلى خمس سنوات سجنا، إضافة إلى أن ثبوت إدانة الوالدين بإجبارها على الزواج قد تصل إلى سبع سنوات، في حال تطبيق العقوبة التي ينص عليها القانون.

يذكر أن وحدة الزواج القسري الحكومية، كانت تعاملت مع آلاف الحالات المماثلة على مدى الأعوام الماضية، ورصدت في العام الماضي وحده قرابة أكثر من 1300 حالة غالبيتهم من النساء، حيث تطال بعض العادات والتقاليد المجحفة الأبناء من الذكور أيضا، كما شملت تلك الحالات ضحايا من دول مختلفة حيث تسود هذه الزيجات –في الغالب- وسط جاليات معينة مرتبطة بالإسلام كالباكستانية والشمال أفريقية والعربية والبنغالية والكردية والإيرانية.

من جهة أخرى، فإن أغلب هذه الزيجات لا تتم على الأراضي البريطانية وإنما تجبر فيها الضحايا على السفر إلى موطنها الأصلي خلال العطلة الصيفية للمدارس. ومع ذلك، فإن بعض الأبحاث المستقلة ترجح بأن عدد الحالات المبلغ عنها قد تتراوح بين 4 و7 آلاف حالة سنويا، مع الأخذ في الاعتبار بأن أعدادا كبيرة من هذه الزيجات تتم في إطار سري للغاية وعدد أكبر لا يتم التبليغ عنه، بسبب أسلوب التخويف والترهيب الذي يتبعه الأهل مع أبنائهم.

21