القانون 31 يكرس احتكار وزارة الأوقاف للشأن الديني في سوريا

خبراء يرون أن المجلس العلمي الفقهي هو "بمثابة إعلان عن وجود سلطة دينية رسمية موازية للسلطات العسكرية والاقتصادية والسياسية، تمتلك استقلالية مالية تامة".
الأحد 2018/11/18
مخاوف من أسلمة الدولة وتشييعها

دمشق - أثار مشروع المرسوم 16 المنظم لعمل وزارة الأوقاف في سوريا، جدلا واسعا ضمن أوساط المعارضة والموالاة على حد السواء، وإن اختلفت التفسيرات.

وفي 10 أكتوبر الماضي، جرى نقاش حادّ تحت قبّة مجلس الشعب، ولأول مرة، حول مرسوم موقّع من رئيس الجمهورية، المخوّل بإصدار المراسيم خارج دورات انعقاد المجلس. وتركّزت حجج المعترضين على أن المرسوم يهدف إلى صبغ الدولة بالصبغة الإسلامية، ورُفض تحت قبة المجلس بأكثرية الثلثين. لكن في اليوم التالي صدر القانون 31، بعد إجراء تعديلات على بعض المهام والمسمّيات في المرسوم، وحَذْف مواد منه، وتغيير صياغة أخرى. التعديلات وُصفت بالشكلية، وتتعلق بتهدئة المتخوفين من أسلمة الدولة. وكتب عضو مجلس الشعب، نبيل الصالح، الذي قاد حملة المعترضين داخل المجلس على صفحته على فيسبوك “التعديلات غير كافية بالنسبة إلينا كعلمانيين، ولكنها كانت كافية لتطمين عموم السوريين”.

ورأى حقوقيون ونشطاء معارضون للنظام، أن هناك مبالغة في القول إن هدف المرسوم هو “أسلمة الدولة”، ويرون أنه تتويج لعمل وزارة الأوقاف طيلة عشر سنوات، في حصر الخطاب الديني بالمؤسسات البيروقراطية التابعة لها، ومكافأة لنفوذها في مناطق المصالحة، وأنّه يعيد “قوننة” دور الوزارة في استثمار العقارات الوقفية.

وتنوط المادة 2/د بـ”المجلس العلمي الفقهي”، الذي يرأسه وزير الأوقاف محمد عبدالستار السيد، مهمة تحديد من هو التكفيري والإخواني “محاربة الفكر التكفيري المتطرف بتياراته ومشاربه.. كتنظيم الإخوان المسلمين وما يماثلها من الحركات والتنظيمات المتطرفة”، فيما تفرض المادة 16/أ عقوبات تأديبية على “كل من ينشر أفكارا تكفيرية متطرّفة كالأفكار الإخوانية أو السلفية أو يرتكب مخالفة جسيمة يقدرها الوزير”، وترفع عنه الصفة الدينية بقرار من الوزير، إضافة إلى الحرمان من المنح المالية المنصوص عليها في القانون.

وبرأي توماس بيريه، الباحث في الإسلام المعاصر، فإن النظام السوري عيّن محمد عبدالستار السيد وزيرا للأوقاف منذ 2008، بقصد “إنهاء استقلالية العلماء، بعد أن كان المنصب حكرا على الكفتاريين طيلة حكم حافظ الأسد”. وفي 2009 تحول اسم وزارة الأوقاف إلى “وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والدعوة والإرشاد”، في نقلة لمهامها من الاقتصار على إدارة أملاك الوقف، إلى الاهتمام بكل ما يتعلق بالشؤون الدينية في سوريا. ورغم توالي ثلاث تشكيلات وزارية، فقد بقي “السيد” في منصبه طيلة 9 سنوات؛ إلى أن توّج مهمّته باستصدار القانون 31.

نبيل الصالح: التعديلات غير كافية بالنسبة إلينا كعلمانيين، ولكنها كانت كافية لتطمين عموم السوريين
نبيل الصالح: التعديلات غير كافية بالنسبة إلينا كعلمانيين، ولكنها كانت كافية لتطمين عموم السوريين

ويقول محمد حبش، النائب السابق والباحث الإسلامي الإصلاحي، إن “الوزارة ستحتكر الخطاب الديني، والغالب هو خطاب سلفي، ومنع أي فضاء من الحرية داخل الوزارة وخارجها وهو الأسوأ، وهذا سيقتل الإبداع والتجديد الديني الذي لا يتم إلا في فضاء من الحرية”. ويضيف “حتى المفكر العلماني الذي يريد أن يكتب في الشأن الديني يمكن أن يتعرض لسؤال من الأوقاف”. وتنص المادة 2/ط على الاعتماد على “العنصر الشبابي” في “تطوير الفكر الديني لدى الأئمة والخطباء ومعلّمات القرآن الكريم”؛ حيث تجنب القانون 31 ذكر “الفريق الديني الشبابي”، بعد أن كان مذكورا صراحة في المرسوم 16، بسبب تعرّضه للانتقاد الواسع من الموالين المعترضين على المرسوم.

وتصدّر وزير الأوقاف ومشايخ آخرون يعملون معه، مشهد المصالحات التي بدأت في 2016، بعد التقارب الروسي- التركي؛ وأنشأ “الفريق الديني الشبابي” بقيادة ابنه الشيخ عبدالله السيد، والشيخ محمد سائر شعبان، مسؤول العلاقات والتدريب في المكتب المركزي، ومشايخ من مناطق خاضعة للنظام، وشخصيات نسائية من “القبيسيات”؛ وتم الترخيص له في بداية 2017.

وعمل الفريق الديني الشبابي منذ تأسيسه، على تغيير الخطاب الديني وجعله يخدم بقاء النظام، ودَعَمَ النظامَ ومعاركه ضد “الفئات الضالة”، وضد “الأفكار المتطرفة” حسب توصيف مشايخه.

وأجرى الفريق دورات تأهيل لخطباء الجوامع ومسؤولي الدروس الشرعية، وقام بحملة “تطهير” طالت الجوامع والمكتبات والثانويات الشرعية ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم، بحثا عن مناهج ابن تيمية وغيره من الأفكار المتطرفة.

وتعرّض الفريق الديني الشبابي إلى انتقادات واسعة من موالي النظام، بسبب دوره في المصالحة وضم مشايخ كانوا قياديين في فصائل معارضة إسلامية؛ أبرزهم، وأكثرهم إثارة للجدل، الشيخ عمر رحمون، القائد والشرعي في فصائل إسلامية معارضة حتى 2016 حيث صَالح النظام، وكان عرّاب اتفاق خروج المعارضة من حلب الشرقية، وبات شخصية لها نفوذ كبير ضمن الفريق الديني الشبابي، بحماية شعبة الأمن العسكري بحماة، وهو يجول على مواقع ميليشيات النظام، وكانت له شبكة علاقات مع شخصيات ووجهاء محليين في إدلب وريف حماة.

وفي مناطق المصالحة، في الغوطة وريف حمص الشمالي والقلمون ودرعا، ظهر دور الفريق الشبابي، بتطمين الأهالي، وانضمام عدد كبير من المشايخ في هذه المناطق إلى صفوف الفريق الديني الشبابي، وفي درعا أرسلت وزارة الأوقاف أئمة ومشايخ موالين لإلقاء خطب الجمعة.

الباب الخامس من القانون مؤلف من 40 مادة، مخصّصة لتشكيل “مجلس الأوقاف المركزي”، برئاسة الوزير، تنحصر مهمّته في تنمية واستثمار العقارات الوقفية، وكل الشؤون المالية والقانونية، وما يتعلق باعتماد موازنات مديريات وشعب الأوقاف والمدارس الشرعية والمبرّات الإسلامية والمراكز الخيرية.

وبحسب المادة 53، فإن موازنة المجلس مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، والمادة 57 تحدّد العقارات الوقفية. والعقارات الوقفية تشمل المساجد والمقابر والمقامات الدينية، إضافة إلى معظم الأسواق الأثرية في دمشق وحلب؛ ويقدر النائب حبش أن العقارات الوقفية تزيد عن نصف مساحة دمشق.

وفي يوليو الماضي اشتكى أصحاب محال تجارية تملكها مديرية أوقاف دمشق من رفع إيجار محلاتها إلى عشرين ضعفا. في خطوة يرى البعض أنها جاءت للضغط على أصحاب المحال القديمة للتنازل عن حق الإيجار لمستثمرين قادرين على الدفع، ما سيغيّر من القيمة الأثرية لتلك الأسواق. في حين أن المادة 86 تتيح لمجلس الأوقاف المركزي تأسيس شركات تجارية مملوكة له لاستثمار وإدارة الأوقاف.

ويرى الكاتب السوري مصطفى الولي أن المجلس العلمي الفقهي هو “بمثابة إعلان عن وجود سلطة دينية رسمية موازية للسلطات العسكرية والاقتصادية والسياسية، تمتلك استقلالية مالية تامة، وهي مأخوذة من فكرة المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، الذي أسسه موسى الصدر عام 1967”. فيما يختصر الخبير القانوني السوري المعارض محمد صبرة، ذلك بالقول إن “القانون هو لتشييع سوريا”.

4