القاهرة تتخلى عن جزء من هواجسها بتخفيف القيود على المعارضة

الحكومة المصرية تفرج عن خمسة معارضين بارزين كخطوة لتخفيف قبضتها على المعارضة خاصة بعد نجاحها في تجاوز عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية.
الأربعاء 2019/05/22
أمل يشوبه شك بفكها

الإفراج عن عدد من المعارضين والنشطاء في مصر يحيي آمال المعارضة بتغير في نهج الحكومة، بيد أن الشك يبقى سيد الموقف بانتظار الخطوة التالية، في ظل انعدام الثقة بين الجانبين.

القاهرة - عكس قرار النائب العام المصري الإفراج عن خمسة معارضين بارزين، مساء الاثنين، تغيرا في تعامل الحكومة مع القوى المعارضة، ما يوحي بنيتها فتح صفحة جديدة تحاول من خلالها استيعاب الأصوات المناوئة لها.

وعلمت “العرب” أنه سيقع إطلاق سراح دفعة جديدة من المعارضين خلال الأيام المقبلة، تشمل عددا من الرموز المعروفة، في محاولة لتخفيف الاحتقان الناجم عن ارتفاع مستوى التضييق على المجال العام.

وكان محللون توقعوا أن تعمد الحكومة إلى تخفيف قبضتها على المعارضة خاصة بعد نجاحها في تجاوز عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وتمرير جملة من الاستحقاقات الاقتصادية الصعبة، من دون مشكلات سياسية ومجتمعية كبيرة.

وأفرج النائب العام المصري عن السفير معصوم مرزوق المعارض والدبلوماسي السابق، ووزير الآثار الأسبق عبدالفتاح البنا، والأكاديميين يحيي القزاز ورائد سلامة، بالإضافة إلى الناشطة نرمين حسين، مع إبقائهم على ذمة التحقيقات في اتهامهم بالانتماء إلى جماعة محظورة (الإخوان)، وتكدير السلم والأمن العام، ونشر أخبار كاذبة.

وجاءت الخطوة بعد أيام قليلة من إصدار الرئيس عبدالفتاح السيسي عفوا عن 650 سجينا، بينهم متهمون في قضايا تظاهر، والصحافي المعارض عبدالحليم قنديل، وبعض المحكومين في قضية أحداث الشغب بشارع مجلس الوزراء التي يعود تاريخها إلى عام 2011، وشملت القائمة عددا كبيرا من الشباب المتهمين في قضايا الانتماء إلى جماعة محظورة.

دوائر حكومية تخشى أن تؤدي حالة الفراغ في الشارع إلى استدراج المعارضة وحتى مواطنين عاديين إلى تيارات إسلامية

وانعكست خطوات الحكومة على ردود فعل بعض القوى والشخصيات التي لديها خلافات جذرية معها، حيث رحبت بها واعتبرتها علامة على حدوث تغيير في المشهد السياسي.

وأكدت الحركة المدنية الديمقراطية، وهي حركة معارضة تضم في عضويتها 8 أحزاب وشخصيات عامة، أن هذه الخطوات “مؤشر جيد على إمكانية الانفراج بين المعارضة والحكومة”.

ووصف المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي الأسبق خالد علي، الخطوة بأنها تحمل إشارة إيجابية للمستقبل، وقال على صفحته في فيسبوك “لعل هناك من يستمع لصوت العقل وينهي ملف الحبس الاحتياطي في آلاف القضايا”.

ويرى مراقبون أن الحكومة تسعى لإثبات جديتها في إدخال إصلاحات سياسية عقب تمرير عملية الاستفتاء على تعديلات دستورية تسمح للرئيس السيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2030، ولكن يبقى عامل الثقة مفقودا.

وتخشى دوائر حكومية أن تؤدي حالة الفراغ في الشارع إلى استدراج المعارضة وحتى مواطنين عاديين إلى تيارات إسلامية، في وقت قدمت فيه رموز مدنية معارضة رسائل إيجابية بشأن رفضها التعاون مع تنظيم الإخوان الذي حاول فتح نافذة للتعاون معها بطرح مبادرة سياسية انطلقت من اسطنبول مؤخرا لضم الكثير من الأسماء المصرية المقيمة في القاهرة.

ومع أن المتهمين المفرج عنهم عُرضة للاستدعاء من قبل النيابة في أي وقت، فإن ارتباط قرارات النائب العام بالمحبوسين احتياطيا وتركيزها على شخصيات ذات ثقل سياسي جعلا العديد من الحقوقيين يذهبون للتأكيد على أن هناك بوادر إيجابية تحملها تلك الخطوة.

وقال المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، مجدي عبدالحميد، إن الإفراج عن المعارضين “إشارة جيدة، واستخدام حق النائب العام في الإفراج عن المتهمين يمثل بداية صغيرة لانفراجة قد تتزايد مع الوقت، حال تلتها خطوات أخرى بإطلاق سراح باقي المحتجزين، وفتح المجال السياسي أمام المعارضة”.

وأضاف لـ”العرب”، المعارضة المدنية تعتبر نفسها جزءا من الدولة المصرية وليست أداة هدم لها، على الرغم من الاختلاف الكبير مع الحكومة، وهناك هدف واحد يجمع الطرفين، يكمن في إيجاد دعائم لإقامة دولة مدنية حديثة.

وأوضح أن “المعارضة أجبرت الحكومة على تغيير سلوكها من خلال إصرارها على إدارة خلافاتها بالأساليب الديمقراطية السلمية، ورفض الانسياق وراء دعوات المقاطعة التامة”.

حسن سلامة: النظام المصري يتجه إلى المزيد من الانفتاح على الأطراف الناقدة
حسن سلامة: النظام المصري يتجه إلى المزيد من الانفتاح على الأطراف الناقدة

وترى دوائر سياسية أن مرحلة الشد والجذب بين الحكومة والمعارضة خلال مناقشة بعض المواد التي حوتها التعديلات الدستورية وانتهاء بعملية الاستفتاء، تطلبت تهدئة من قبل الحكومة مع القوى المدنية والحفاظ على شعرة قد تمثل نقطة التقاء معها.

ويربط البعض بين تلك الخطوات وبين سعي القاهرة لتعديل سجلها الحقوقي وتحسين صورتها الدولية، والاستعداد للمراجعة الدورية لملفات الدول بمجلس حقوق الإنسان في نوفمبر المقبل بجنيف، ومن مؤشراتها موافقة الحكومة على قانون جديد للجمعيات الأهلية بالتوافق مع منظمات المجتمع المدني وتحويله إلى مجلس النواب تمهيدا لإقراره رسميا.

وأكد حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن النظام يتجه إلى المزيد من الانفتاح على “الأطراف الناقدة”. وأشار لـ”العرب”، إلى أن جملة التوجهات الأخيرة تشير إلى بناء نظام يحتوي بشكل أكبر الآراء المخالفة.

ويتحفظ متابعون على الانجراف وراء نبرة التفاؤل الراهنة، وقالوا لـ”العرب” “من المبكر الحديث عن بناء جدار متين للثقة بين الحكومة والمعارضة مع وجود أعداد كبيرة من المحبوسين على ذمة قضايا تظاهر وحريات ورأي، وخطوات الحكومة لم يصاحبها نقاش أو توجيه إشارات بعينها للمعارضة تدفعها إلى الثقة التامة في الهدف منها، في وقت لا تزال وسائل إعلام محسوبة على الحكومة تمارس حملات تشويه ضد رموز المعارضة.

ويطالب هؤلاء بتنقية الأجواء السياسية من الرواسب القاتمة التي خلفتها الفترة الماضية، لأن التأسيس لدولة ديمقراطية يتطلب تضحيات كبيرة من الجميع، وإدراكا لطبيعة التحولات الجارية في كثير من الدول المجاورة.

2