القاهرة تخوض معركة قاسية لإنقاذ مصانع النسيج الحكومية

البيروقراطية وتقادم تكنولوجيا الإنتاج يعرقلان مهمة التنفيذ، وتخصيص 1.5 مليار دولار لتطوير نشاط الشركات المتعثرة.
الثلاثاء 2018/09/04
قطاع معلق بخيوط إنقاذ ضعيفة

القاهرة – تصر القاهرة على إضاعة وقتها في إعادة هيكلة شركات قديمة، بتخصيص نحو 1.5 مليار دولار لتطوير مصانع الغزل والنسيج التي بليت خطوط إنتاجها، وتعمل بتكنولوجيا تعود إلى الستينات من القرن الماضي.

وتكشف المؤشرات المالية لهذه الشركات عن خراب كبير يقوض مفاصلها، خاصة أن الأجور تلتهم نحو 74 بالمئة من إجمالي حجم مبيعاتها، حسب بيانات صادرة عن مركز معلومات قطاع الأعمال العام الرسمي.

وتشير بيانات القطاع عالميا إلى أن الأجور تمثل حوالي 13 بالمئة من قيمة الإنتاج في شركات الغزل والنسيج، ما يظهر كارثة الحالة المصرية.

وسجل إجمالي مبيعات شركات القطاع في مصر العام الماضي نحو 208 ملايين دولار، مقابل إجمالي أجور بقيمة 152 مليون دولار، فيما يبلغ عدد العاملين 58 ألف عامل، بمتوسط أجر سنوي 2615 دولارا للفرد.

أحمد مصطفى: بيع أراضي الشركات لتمويل خطة الإنقاذ بعيدا عن موازنة الدولة
أحمد مصطفى: بيع أراضي الشركات لتمويل خطة الإنقاذ بعيدا عن موازنة الدولة

وبلغ عدد الشركات الحكومية الخاسرة التابعة للشركة القابضة للغزل والنسيج نحو 22 شركة من إجمالي 32 شركة، بينما ربحت نحو 10 شركات فقط.

ووصلت الخسائر الإجمالية لتلك الشركات إلى حوالي 152 مليون دولار، وفق التقديرات الرسمية.

وما يزيد من معاناة القطاع أن الشركة القابضة تستهدف خسائر بموازنتها التقديرية للعام المالي الحالي بنحو 111 مليون دولار بحلول نهاية يونيو المقبل وخفض عدد الشركات الخاسرة إلى 21 شركة.

ويقول اقتصاديون لـ”العرب” إن التخلص من تلك الأصول يعد الحل الأمثل لوقف نزيف الخسائر، ووقف تعيين عمالة جديدة، وتأهيل القوى البشرية الحالية للعمل في وظائف أخرى.

وأكد أحمد مصطفى، رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج، لـ”العرب” أنهم بدأوا في تقييم عدد كبير من الأراضي التابعة للشركات وبيعها لتمويل خطة التطوير، بعيدا عن الموازنة التي تخصصها الدولة والتي لا تكفي.

وانتقد خبراء هذا الاتجاه لأنه يقضي على بنك الأراضي للشركات، ما يفقدها ميزة نسبية حالية، تعزز من خصخصتها بمبالغ مالية كبيرة، لكن عندما يتم تفريغ الشركات من الأراضي التابعة لها فلن يتبقى في النهاية إلا بعض الأصول الضعيفة.

وينذر هذا السيناريو بتكرار فشل برنامج الخصخصة، والذي بدأ ببيع الشركات التي تمتلك أصولا قوية، ثم ظلت الشركات الضعيفة في عباءة الحكومة.

وانتقد مستثمرون في صناعة الغزل والنسيج إسناد عملة التطوير لمكتب وارنر الاستشاري الأميركي، بعد فشله في وضع خطة إنقاذ لشركة مصر العامرية، قبل أن تنتقل ملكيتها بالكامل إلى بنك مصر.

وأزاح وارنر خطوط الإنتاج من الآلات والمعدات الألمانية والسويسرية التي كانت تمتلكها الشركة وأحل محلها معدات صينية، ما ضاعف من خسائرها.

مفرح البلتاجي: لا مفر من الخصخصة وخطط مساعدة الشركات إهدار للأموال
مفرح البلتاجي: لا مفر من الخصخصة وخطط مساعدة الشركات إهدار للأموال

وأوضح مفرح البلتاجي، رئيس شركة مصر العامرية للغزل والنسيج، أنه لا سبيل لتطوير شركات الغزل والنسيج الحكومية إلا بالخصخصة، فالمشكلة ليست في السيولة النقدية لكن في تقنيات وطرق الإنتاج.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن حزمة الإنقاذ لن تنتشل الشركات من مستنقع الخسائر، في ظل استمرار تشوهات هياكلها المالية، فضلا عن تراجع الطلب على منتجاتها.

ورصدت القاهرة خطة إنقاذ لشركات الغزل والنسيج في 2005 بنحو 8 مليارات جنيه (نحو 2.4 مليار دولار وفقا لسعر الصرف في تلك الفترة)، ولم تنجح في انتشال الشركات من عثرتها، وزادت مديونياتها للبنوك ما أدى في النهاية إلى حصول كل من البنك الأهلي المصري وبنك مصر، كأكبر دائنين لهذه الشركات، على معظم الأراضي لعدم قدرة الشركات على سداد الديون.

وبلغت ديون تلك الشركات لبنك الاستثمار القومي نحو 490 مليون دولار، وقامت جهات الحكومة بعمل تسوية شكلية للسيطرة على ديون شركاتها، من خلال زيادة حصة البنك في رأس مال الشركة القابضة للغزل والنسيج التي تملك الشركات الخاسرة.

ووصلت نسبة ملكية البنك بعد الاتفاق إلى 20 بالمئة من رأس مال الشركة القابضة، وقالت مصادر بالشركة لـ”العرب” إنه بموجب تلك التسوية ستدخل الشركات في موجة جديدة من الاقتراض من الجهاز المصرفي، الأمر الذي يعظم خسائرها نتيجة عمليات التشغيل غير الاقتصادية.

ويرى محمد المرشدي، رئيس غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات المصرية أن الحكومة تسعى إلى إنقاذ شركات الغزل والنسيج من خلال ضخ سيولة جديدة وتحديث الآلات والمعدات وزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع.

ويرى محمد المرشدي، رئيس غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات المصرية، ووكيل لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة بمجلس النواب، أن الحكومة تسعى إلى إخراج شركات الغزل والنسيج من عثرتها، من خلال ضخ سيولة جديدة وتحديث الآلات والمعدات وزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع.

محمد المرشدي: محاولة حكومية لإنقاذ الأصول المتعثرة بضخ السيولة في شرايينها
محمد المرشدي: محاولة حكومية لإنقاذ الأصول المتعثرة بضخ السيولة في شرايينها

وأشار لـ“العرب”، إلى أنه في ظل السيولة الضخمة التي يحتاج إليها القطاع والتي تعجز الدولة عن توفيرها، سوف تتجه وزارة قطاع الأعمال العام، إلى بيع الأراضي المملوكة لهذه الشركات داخل الكتل السكنية لتوفير تمويل ذاتي، بدلا من مواصلة الاقتراض من البنوك.

وتتصاعد المخاوف من إنفاق قيمة الأراضي على معدات جديدة للمصانع، مما يدخلها في أزمة نقص سيولة لمواجهة نفقاتها المرتفعة، الأمر الذي يدخل المصانع في دوامة جديدة من المشكلات تعصف بخطط تطويرها.

ويقول محللون إن المشكلة الكبرى في طرح بيع شركات حكومية تكمن في العدد الهائل من العاملين فيها وصلاحيات المستثمرين في الرقابة على أداء الشركات وتسريح العاملين لزيادة كفاءتها، إضافة إلى صعوبة تقييم الأصول مثل الأراضي الشاسعة التي تملكها الشركات الحكومية.

ولا تقوى المصانع الحكومية في وضعيتها الراهنة على منافسة القطاع الخاص، والذي يستحوذ عليه مستثمرون مصريون وسوريون، إلى جانب عدم القدرة على المنافسة.

وكانت القاهرة قد قررت في شهر مارس الماضي طرح حصص في 23 شركة حكومية في سوق المال، ما اعتبره اقتصاديون خطوة جيدة نحو تخارج الحكومة من ملكية الشركات وتطوير أساليب إدارتها، إلا أنهم حذروا من أن الخطوة قد تزيد من معاناة الشركات الخاسرة.

وتكشف استراتيجية وزارة المالية أنها تسعى لخفض معدلات الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة إلى ما يعادل 21 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022 مقارنة بما يعادل نحو 29.4 بالمئة في الموازنة الحالية.

وتصل ديون شركات قطاع الأعمال العام إلى حوالي 2.5 مليار دولار، وهو ما يزيد من معاناة الشركات والضغط على الموازنة العامة للدولة.

11