القاهرة ترصد حزمة إنقاذ مالية لانتشال اقتصادها من الركود

قروض ميسرة للمشاريع وحوافز وإعفاءات ضريبية تصل إلى ست سنوات.
السبت 2020/06/27
هدير الآلات يعود إلى المصانع

تسابق مصر الزمن من أجل انتشال اقتصادها من الركود عبر إطلاق حزم تمويلية ميسرة لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية على استئناف الإنتاج مجددا بعد تداعيات وباء كورونا الذي أثر على مناخ الأعمال وتسبب في تبخر الموارد المالية للبلاد.

القاهرة - أطلقت الحكومة المصرية حزمة إنقاذ جديدة لإعادة تشغيل مفاصل الاقتصاد الذي يئن بسبب تفشي وباء كورونا، أملا في مساندة المستثمرين المصريين والأجانب، فيما تشمل مظلة الحزمة الجديدة كافة قطاعات الاستثمارات لحث الشركات على إعادة الإنتاج.

وشملت الحزمة إعفاءات في مجال الطاقة، ومد الحوافز الضريبية للاستثمارات الأجنبية لنحو ثلاث سنوات إضافية، لتصل سنوات الإعفاء إلى 6 سنوات، فضلا عن إصدار البنك المركزي ضمانات للبنوك لإتاحة قروض بقيمة 6.25 مليار دولار بفائدة مخفضة 8 في المئة لمشروعات الصناعة والزراعة والمقاولات.

وتضم الحزمة إعفاء المصانع من مديونيات وغرامات قيمتها 330 مليون دولار، كانت مستحقة عليها لقطاع البترول، وهي ناتجة عن إخلال المصانع ببنود العقود الخاصة بتوريد الغاز الطبيعي.

طارق الملا: نريد تحفيز الشركات وتحقيق الاستقرار للنشاط الاقتصادي
طارق الملا: نريد تحفيز الشركات وتحقيق الاستقرار للنشاط الاقتصادي

وجرى تخفيض سعر الغاز الطبيعي للنشاط الصناعي مرتين متتاليتين خلال التسعة أشهر الماضية لدعم تنافسية الصناعة، فيما جرى في مارس الماضي تخفيض سعر الغاز الطبيعي لكافة الأنشطة الصناعية إلى 4.5 دولار.

سبق هذه الخطوة خفض آخر في أكتوبر من العام الماضي من مستويات 8 دولارات إلى 6 دولارات لصناعة الإسمنت، ومن 7 دولارات إلى 5.5 دولار لصناعات الحديد والصلب والألمنيوم والسيراميك والبورسلين.

وتتركز الاستثمارات الأجنبية في هذه القطاعات، باعتبارها من الأنشطة كثيفة رأس المال، فيما تصب حزمة الحوافز في صميم مطالبها منذ سنوات.

وتكبد هذه التخفيضات قطاع الطاقة المصري نحو 150 مليون دولار من إيرادات بيع الغاز للأنشطة الصناعية بالسوق المحلية.

وقال طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية، لـ”العرب” إن “تلك الخطوة تتوازى مع مبادرات الوزارة للتيسير على المصانع التي تستهلك الغاز الطبيعي”.

وأوضح أن الحوافز الجديدة تشمل مظلتها القطاع العام والخاص والأعمال العامة لدفع عجلة التنمية والإنتاج وتحقيق الاستقرار للنشاط الاقتصادي.

وتمعن القاهرة في المبادرات التمويلية ذات سعر الفائدة المنخفض للمشروعات، فيما تجاوز حجم مبادرات البنك المركزي منذ تفشي الجائحة نحو 30 مليار دولار لمساعدة الشركات على تجاوز الأوضاع الحالية والحفاظ على العمالة.

وشملت المبادرات أيضا نشاط السياحة وتأجيل سداد أقساط القروض وإلغاء القوائم السوداء للشركات والأفراد المتعثرين وإسقاط البعض من الديون الرديئة.

ووافقت اللجنة الوزارية الاقتصادية المنبثقة عن مجلس الوزراء، على تعديلات اقترحتها وزارة المالية لإعفاء بعض السلع والخدمات من ضريبة القيمة المضافة.

ويرأس اللجنة رئيس مجلس الوزراء، وتضم محافظ البنك المركزي، ووزراء البترول والثروة المعدنية، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والمالية، والتعاون الدولي، وقطاع الأعمال العام، والتجارة والصناعة، ورئيس هيئة الرقابة المالية، والرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار.

وتضم الإعفاءات السلع والخدمات التي يتم تصديرها إلى الخارج من منتجات مشروعات المناطق والمدن والأسواق الحرة والمناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، لتحفيز تلك المشروعات على العمل والإنتاج.

كما تشمل المنتجات الزراعية، ومدخلات إنتاج صناعة الورق وخدمات الصرف الصحي وتنقية وتحلية المياه، وإعفاءات قطاع الدواء والأمصال، واللقاحات، والدم ومشتقاته، وأكياس جمع الدم، لمراعاة تأثير هذه الأصناف على شرائح كبيرة من المرضى.

وأكد مجدالدين المنزلاوي رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن قطاع الصناعة كان يترقب منذ تفشي وباء كورونا هذه الحزمة المتكاملة التي تعزز من فرص عودته بكامل طاقته مجددا.

إعفاء المصانع من 330 مليون دولار غرامات، وكوكاكولا وبروكتر آند غامبل تضخان استثمارات جديدة

وأوضح في تصريح لـ”العرب أن المصانع تكافح حاليا لاستعادة نشاطها بعد فترة إغلاق الاقتصاد والتشغيل الجزئي للأنشطة الحيوية، مما أثر على معدلات الطلب بسبب تداعيات كورونا الاقتصادية.

وتتواكب هذه الخطوات مع تراجع عدد الشركات التي تم تأسيسها في السوق المصرية خلال أبريل الماضي، إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 5 سنوات، بالتزامن مع الإجراءات الحكومية لمواجهة انتشار فايروس كورونا.

وذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد الشركات التي تم تأسيسها في أنحاء البلاد خلال أبريل بلغ 246 شركة، مقابل 1951 شركة خلال شهر المقارنة من العام الماضي.

وبشكل عام تشهد أعداد الشركات المؤسسة تراجعات شهرية منذ بداية العام الحالي، حيث بلغ عدد الشركات في يناير 2501 شركة، وتراجع إلى 2398 شركة في فبراير، وواصل الهبوط إلى 1624 شركة في مارس.

واستحوذت الشركات الخدمية على أغلب الأنشطة التي تم تأسيسها خلال أبريل الماضي بنحو 52 في المئة، وحلت الشركات الصناعية في المركز الثاني بنحو 23.2 في المئة.

وتراجعت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى نحو 1.1 مليون دولار، تمثل 0.3 في المئة من إجمالي رؤوس الأموال، الأمر الذي يعكس تأثير كورونا الشديد على النشاط الاقتصادي، فيما استحوذ المصريون على 81.1 في المئة والعرب على 18.6 في المئة.

مجدالدين المنزلاوي: قطاع الصناعة يترقب حزم الإنقاذ لبدء الإنتاج بكامل طاقته
مجدالدين المنزلاوي: قطاع الصناعة يترقب حزم الإنقاذ لبدء الإنتاج بكامل طاقته

ورصد معهد التخطيط القومي التابع للحكومة المشكلات التي يعاني منها القطاع الصناعي، وقال إن جائحة كورونا أدت إلى تباطئه بسبب عمليات الإغلاق والإجراءات الاحترازية وتراجع الطلب المحلي والدولي واختلال سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بمصر.

وأشار إلى أن بعض المصانع في مصر عانت نقصا شديدا في مستلزمات الإنتاج المستوردة من الخارج، خاصة من الصين، إلى جانب ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج لبعض الصناعات مثل الصناعات الطبية والصيدلانية.

وأثرت الجائحة على التجارة الخارجية للقطاع الصناعي المصري، وسيطر التراجع على صادرات وواردات الصناعات خلال الفترة من يناير إلى أبريل الماضيين.

وتقهقرت بعض الصادرات الصناعية بنسب قياسية منها الجلود بانخفاض نسبته 42 في المئة، والأثاث بنحو 35 في المئة والملابس الجاهزة بنسبة 24 في المئة.

وبحسب المعهد الحكومي فإن الجزء الأكبر من الصدمة التي تلقاها القطاع الصناعي وقع بالفعل، فيما تعد السياسات التحفيزية الاستباقية التي اتخذتها الحكومة كافية حتى الآن قياسا بما قدمته العديد من الدول الأخرى.

ولم تكن الصورة قاتمة إلى هذا الحد، بعد أن شجعت هذه المبادرات عددا من الشركات العالمية، للإعلان عن توسيع نطاق عملها، وأعلنت شركة كوكاكولا - مصر عن ضخ استثمارات للسنوات الخمس المقبلة بنحو 300 مليون دولار عبر تدشين خطوط إنتاج جديدة وزيادة عدد منافذ وفروع البيع، بمعدل سنوي يبدأ من العام الحالي بنحو 62 مليون دولار.

وشجعت المبادرات أيضا شركة بروكتر آند غامبل على مواصلة عمليات تعميق التصنيع المحلي ‏والتصدير، وأعلنت عن خططها الرامية إلى ضخ استثمارات جديدة بنحو 50 مليون دولار بدءا من العام الحالي وحتى نهاية عام 2021.

وفي سبيل ذلك ستدشن ‏خطا جديدا لإنتاج الكمامات الواقية، إلى جانب توسعات في عمليات الإنتاج في جميع مصانعها العاملة في مصر.

وتعد حزم الإنقاذ مؤشرا يطمئن المستثمرين على السياسات الحكومية، التي تضع في أولوياتها دعم القطاع الخاص، وحل مشكلاته في هذه الظروف الاستثنائية، الأمر الذي يشجع المشروعات الخاصة على توسيع نطاق عملها، وتحول المحنة الحالية إلى منحة استثمارية واعدة على المدى القصير.

11