القاهرة تستبعد ضرب سد النهضة

الخميس 2016/12/29
من مشروع تنموي إلى مشروع سياسي

القاهرة - التصعيد الذي وصلت إليه العلاقات بين مصر وإثيوبيا مؤخرا، جعل البعض يعيد طرح السؤال عن مدى إمكانية لجوء القاهرة إلى الحل العسكري للتخلص من الهواجس التي يمثلها سد النهضة، وتداعياته المائية السلبية على مصر، وأهمها تأثيره على حصتها التاريخية البالغة 55.5 مليار متر مكعب.

السؤال “المشروع" له ما يبرره عند أصحابه، خاصة أن عددا من المسؤولين في أديس أبابا درجوا في الآونة الأخيرة على توجيه اتهام للقاهرة يتعلق بقيامها بإيواء ودعم عناصر من المعارضة الإثيوبية، الأمر الذي ظهرت تجلياته في الخطاب الرسمي، عقب الاحتجاجات التي شهدتها مناطق الأورومو قبل نحو شهرين، ثم أخذت مساحة الاتهام تتزايد، وهو ما ينذر بأن الأزمة يمكن أن تنفلت من عقالها السياسي، وتأخذ مسارا عسكريا.

الواضح أن الخطاب المصري، لا يزال يُغلب الاتجاه الأول، ويكتفي بنفي كل الاتهامات التي وجهت للقاهرة على فترات مختلفة، ويصمم على الاستمرار في النهج الدبلوماسي، باعتباره الركيزة التي تعمل من خلالها السياسة المصرية منذ فترات طويلة، وتتجنب التلويح بالخيارات العسكرية، إلا في حدود الردع غير المباشر، كأن تمتلك مصر أنواعا مختلفة من الأسلحة المتقدمة، ويأتي التلويح بها مباشرة كرد فعل لإشارات مضادة في الاتجاه العسكري، للتأكيد على القدرة وعدم الرغبة.

الردع الاستراتيجي

الحل العسكري، على إطلاقه، لا يندرج ضمن الأدوات المصرية الرئيسية للتعامل مع الخصومات، والدفاع عن الأمن القومي وتفضيل الاعتماد على السبل السياسية، وعندما تنفتح القاهرة على معارضي دول أخرى تستبعد استخدامهم كأدوات مباشرة ضد دولهم.

وتقيم في القاهرة أنواع متباينة من المعارضة تنتمي إلى دول مثل سوريا والعراق والسودان واليمن وليبيا، بالإضافة إلى إثيوبيا، لم يثبت أن أيا من هؤلاء تحولوا إلى أسلحة مادية في خلافات القاهرة الخارجية.

أي احتكام عسكري في هذه اللحظة، يعطي بعض الدوائر فرصة مناسبة للنيل من مصر، التي ساهمت ثورتها في 30 يونيو 2013 في إفشال مشروعات دولية كبرى، لإعادة تقسيم المنطقة وفقا لرؤى جديدة

وفي الحالة الإثيوبية، أكدت الخبرة في المرتين اللتين تم التلويح فيهما بالخيار العسكري، بسبب المياه، أن الخسائر باهظة سياسيا. ومع مضي سنوات طويلة على إحداهما، لا تزال أديس أبابا، وربما الشعب الإثيوبي بأكمله، لم ينس هذا التلويح، الذي تحول إلى عقدة تاريخية أصبحت عقبة معنوية تقف حائلا أمام تطوير العلاقات وعدم وصولها إلى الدرجة الطبيعية.

كانت المرة الأولى عام 1979، عندما لوح الرئيس المصري الراحل أنور السادات بضرب إثيوبيا “إذا حدث وقامت بعمل أي شيء يعوق وصول حق مصر في المياه بالكامل، فلا سبيل إلا استخدام القوة”، وهو ما ترك احتقانات وخلّف مرارات، تحاول جهات عديدة العزف عليها، لزيادة الهوة بين البلدين.

وجاءت المرة الثانية، في يونيو 2013، عندما عقد الرئيس الإخواني محمد مرسي اجتماعا مع عدد من القيادات السياسية في القصر الجمهوري، وأذيع على الهواء، وتخللته تهديدات بضرب إثيوبيا، ردا على شروعها في بناء سد النهضة. وقتها شعرت أديس أبابا بأن هناك نوايا مصرية للتحرش بها عسكريا. وساعدت المفردات التي استخدمها البعض لترويع إثيوبيا في تكريس عقدة عدم استبعاد المواجهة المسلحة.

استثمرت أديس أبابا هذه الأحداث في تحويل السد من مشروع تنموي إلى مشروع سياسي له علاقة بالكرامة الوطنية. وكلما زاد العناد مع القاهرة كسبت الحكومة الإثيوبية أرضا جديدة لدى المواطنين، الذين ترسخ في وجدانهم عداء ظاهر للقاهرة. وهو ما كان يتكشف، من حين لآخر، في بعض المناسبات الرياضية، التي يتجاوز فيها الجمهور الإثيوبي حدود التشجيع إلى حد رفع أعلام دول معادية – منافسة لمصر في المدرجات.

في تقديري، استبعاد التفكير في الخيار العسكري، ليس ناجما عن عجز في القدرة التسليحية؛ فحسب الإحصائيات الدولية، ليست هناك مقارنة بين قدرات الجيش المصري ونظيره الإثيوبي. والتفوق يميل لصالح الأول باقتدار، كما أن العامين الماضيين شهدا تكثيفا مصريا في امتلاك المعدات العسكرية، التي تستطيع التحرك لمواجهة أي مساس مباشر بالأمن القومي المصري في أماكن بعيدة.

لعل امتلاك فرقاطات وغواصات وسفن حربية وطائرات متقدمة ومختلفة، ليس المقصود به الدفاع عن حدود مصر الشمالية والشرقية فقط، لكن أهميته تكمن في الحماية الاستراتيجية للحدود الجنوبية أيضا، خاصة أن هناك طائرات تستطيع الطيران حتى إثيوبيا والعودة دون تزود بالوقود، وهناك صواريخ يصل مداها إلى البقعة نفسها أو أبعد.

خيار مؤجل

إذا كانت لا توجد مشكلات في الأدوات العسكرية، بل ثمة وفرة، تتجاوز حاجة مصر الطبيعية، فلماذا تستبعد القاهرة ضرب سد النهضة وإنهاء الأسطورة التي أضحت تؤرق قطاعا كبيرا من المصريين؟

للإجابة عن هذا التساؤل هناك ثلاثة جوانب مختلفة من الضروري الالتفات إليها، حتى تستقيم الصورة، ويصعب استبعاد زواياها من المشهد العام، قبل التطرق إلى الكوابح التي تحول دون استخدام مصر للحسم العسكري حاليا.

الأول، أن وفرة الأسلحة والجاهزية العالية جزء منها له علاقة بما يسمى بـ”الردع الاستراتيجي”، أي مقاومة الاعتداءات قبل وقوعها أصلا، وتقليل الخسائر المتوقعة في حال المواجهة المباشرة، وهي عملية معقدة وتأخذ أشكالا مختلفة.

الثاني، أن استخدام القوة يحدث عندما يكون هناك اعتداء سافر أو وشيك يمس الثوابت المصرية، وبينها المياه التي تمثل شريان الحياة. لكن هذا لن يحدث، طالما أن هناك قنوات سياسية مفتوحة.

وفي حالة سد النهضة، لا تزال الخطوط بها حرارة ولم تنقطع بعد. ويوجد هامش جيد لإمكانية التفاهم، يمكن تعظيمه عبر الأدوات الدبلوماسية، واستثمار العلاقات مع جهات التمويل، فضلا عن أن قوانين الأنهار، تحفظ لمصر حقوقها عند اللجوء إلى المحاكم الدولية.

الثالث، زيادة وتيرة التسلح المصري تؤكد عدم استبعاد خوض حروب اضطرارية في المستقبل، فالاستعدادات الحالية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، وربما تكون من بينها إثيوبيا، إذا تم سد كل القنوات الدبلوماسية، وواصلت أديس أبابا استفزازاتها، وتعمدت الإضرار بالمصالح المصرية بالتنسيق مع جهات إقليمية ودولية.

الحديث عن الكوابح، له أيضا ثلاثة أضلاع، يصعب تجاهلها لدى صاحب القرار في مصر، لأن تأثيراتها الكبيرة، كفيلة بأن تجعل من الخيار العسكري للتعامل مع أزمة سد النهضة بعيد المنال، على الأقل في الوقت الحالي.

الأول، محلي، فالنظام المصري يعاني حزمة من الأزمات الاقتصادية ومجموعة من المشكلات الأمنية، تفرض عليه إيجاد حلول ومخارج لها، تخفف المعاناة عن المواطنين، والانخراط في حروب أو حتى في مشاحنات خارجية، يمثل مرحلة من الرفاهية، لا تستطيع مصر تحمل تكاليفها الباهظة، وسط مواجهة محتدمة مع فلول إرهابية، يحتاج خفوت صوت رصاصها المزيد من الوقت.

الثاني، إقليمي، حيث تواجه الدولة المصرية تحديات من قبل جهات كثيرة، حاولت جرها إلى مستنقع مواجهات مباشرة، في كل من سوريا واليمن وليبيا، وجميعها باءت بالفشل، لذلك تمثل المواجهة العسكرية مع إثيوبيا بمثابة انتحار مكتمل الأركان، لأنها تعطي الفرصة للمتربصين بها إلى نيل مرادهم، عبر التورط في مستنقع يبعد الآلاف من الأميال عن أراضيها، لا أحد يعلم توقيت الخروج منه. ناهيك عن سلسلة التحالفات السرية التي عقدتها أديس أبابا مع دول مختلفة، وتوفر لها ركيزة لمساعدة عسكرية كبيرة، يمكن أن تمنحها أذرع طويلة، قد تطال بها بقاعا مختلفة في مصر، بينها السد العالي العملاق في الجنوب، والذي يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لمصر.

الثالث، دولي، وله علاقة بالجهات التي تُحرّض إثيوبيا على التمرد، والمضي قدما في مشروع سد النهضة، وأي احتكام عسكري في هذه اللحظة، يعطي هذه الدوائر فرصة مناسبة للنيل من مصر، التي ساهمت ثورتها في 30 يونيو 2013 في إفشال مشروعات دولية كبرى، لإعادة تقسيم المنطقة، وفقا لرؤى جديدة، إذ يندرج أي تجاوز من قبلها على إثيوبيا، تحت باب الاعتداء وخرق القانون الدولي، الذي تتحكم في تحديد مقاييسه بعض القوى الكبرى، الأمر الذي يعرض مصر لعقوبات من الممكن أن وتقوض أركانها الاستراتيجية.

كاتب مصري

6