القاهرة تستعد لاستقبال المسرح المعاصر والتجريبي

يعتبر المسرح من أكثر الفنون جدلية نظرا إلى أنه فن حي في تشكله ومضمونه، وبنيته التواصلية وفضائه، ولذا فإن باب التجريب مفتوح منذ القدم في هذا الفن العريق، وهو ما يحاول إحاطته مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، الذي افتتح باب المشاركة أخيرا للفرق المسرحية والنقاد، موليا في دورة هذا العامِ الجسدَ وفلسفتَه وأبعادَه المختلفةَ اعتناءً خاصا.
الخميس 2018/03/01
الجسد بوتقة ثقافية وآلة تواصل

أعلنت إدارة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية، عن فتح باب التقدم للمشاركة في دورته الخامسة والعشرين (اليوبيل الفضي)، التي ستنعقد في القاهرة خلال شهر سبتمبر المقبل 2018.
وكانت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبدالدايم قد أصدرت في وقت سابق قرارَ إعادةِ تشكيل مجلس إدارة المهرجان برئاسة الدكتور سامح مهران، وعضوية كل من المخرجين ناصر عبدالمنعم وفهمي الخولي، والكاتب المسرحي أبوالعلا السلاموني، وتولي الدكتورة أسماء الطاهر والدكتور محمد الشافعي مهمة مديرين تنفيذيين للمهرجان، والدكتورة دينا أمين مديرا عاما للمهرجان، والمخرج عصام السيد منسقا عاما لهذا المهرجان.

فلسفات الجسد

يوضح الدكتور سامح مهران، في لقاء أجرته معه “العرب”، أن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي يرفع شعار التنوع والانفتاح على الثقافات الأخرى، وهو فعالية غير تنافسية، ويهدف إلى خلق تواصل وحوار حول المسرح وأشكال الأداء بين مختلف الشعوب والجماعات، إضافة إلى تعريف الجمهور في مصر والمنطقة العربية على أحدث التيارات في المشهد المسرحي العالمي، وإتاحة نافذة يطل منها المسرحيون في العالم على أحدث تطورات المشهد المسرحي في مصر والبلاد العربية. وتُقدّم كل فرقة مشاركة عرضين على الأقل، ويجوز للمهرجان تنظيم ليالي عرض إضافية خارج القاهرة بعد التنسيق مع مسؤولي الفرق المشاركة.
ويؤكد مهران أن اختيار العروض المسرحية العربية والأجنبية المشاركة يخضع لمعيار فني بحت، ولا علاقة له بالتمثيل الجغرافي أو السياسي للدول، وقد شُكلت لهذا الغرض لجنة مشاهدة، كما في دورتيه السابقتين، مكونة من مسرحيين أصحاب كفاءة متخصصين في جميع عناصر العرض المسرحي.
يقول مهران إن المهرجان سينظم في يوبيله الفضي ندوة فكرية بعنوان “فلسفات الجسد في المسرح المعاصر”، تتألف من ثلاثة محاور، الأول حول الجسد بين الممثل والمتفرج، ويناقش نقاطا مقترحة هي “هيمنة الجسد الأدائي على العملية المسرحية”، و”الجدل بين جسد الممثل وجسد المتفرج”، و”جسد المتلقي بين المشاركة والسلبية والخضوع”.

اختيار العروض المشاركة في المهرجان يخضع لمعيار فني بحت، ولا علاقة له بالتمثيل الجغرافي أو السياسي
اختيار العروض المشاركة في المهرجان يخضع لمعيار فني بحت، ولا علاقة له بالتمثيل الجغرافي أو السياسي

أما المحور الثاني فيؤكد رئيس المهرجان أنه سيكون حول الجسد كساحة صراع أيديولوجي، ومن النقاط المقترحة للمناقشة فيه “الجسد في مسرح ما بعد الاستعمار”، والأجساد المتعارضة”، و”أنا والآخر”، و”الخضوع والسيطرة”، و”إبراز الصراع وتحييده”. أما المحور الثالث فعنوانه “الجسد في المسرح بين المنظور الأخلاقي والاجتماعي”، وسيناقش موضوعات “الجسد في المسرح بين الاحتقار والاحتفاء”، و”الجسد الأنثوي بين القداسة والتسليع”، و”الجسد العاري بين الصدمة والفطرة”.
وعن أهمية موضوع الندوة يلفت مهران في حديثه لـ”العرب” أن الجسد قد “حظي باهتمام شديد في الدراسات المسرحية، بوصفه ‘آلة للتواصل‘، حسب تعبير أمبرتو إيكو، ومنتجا للمعنى، ومعبّرا عن الثقافة والهوية الثقافية. كما أنه من خلال الجسد فقط يمكن للإنسان التواؤم مع التوقعات المفروضة عليه أو مقاومتها كما يقول تيرنر. والمعروف أن المسرح بدأ من الجسد، ثم ثار عليه، ثم عاد إليه لينقذه من جموده”.
ويتابع “تنوعت الفلسفات حول الجسد في المسرح حسب السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي السائد، وحسب انتماء نظريات المسرح إلى أيديولوجيات خاصة بالإنسان، واعتبار الجسد هو بوتقة ثقافية تندرج ضمن الجدليات التي تدخل فيها كل المفاهيم الخاصة بالجنوسة والدين والأخلاق وصراع الأيديولوجيات. وقد دخل الجسد كذلك في صراع هيمنة مع الكلمة في المسرح، وتبادلا السيطرة والخضوع، وظل الجسد يتفوق في ميدان إنتاج وتشكيل المعاني اللانهائية غيابًا وحضورا”.

المسرح في مناطق الصراع 

يذكر مهران أن هناك محورا جديدا جرت إضافته للندوة الفكرية التي سيحتضنها المهرجان في الدورة المقبلة، وهو المسرح في مناطق الصراع، وسيتناول العروض والمعالجات المسرحية في الدول التي تشهد صراعات وحروبا مثل سوريا وليبيا والعراق.
وبدوره يقول المخرج عصام السيد، المنسق العام للمهرجان، عن إجراءات المشاركة في الندوة “ستتلقى إدارة المهرجان طلبات المشاركة من الباحثين الراغبين في الاشتراك بالندوة في مواعيد محددة، وستنظر لجنة أكاديمية متخصصة في الطلبات للاختيار على مرحلتين: الأولى مبدئية، بعد تلقي ملخصات الأبحاث، والثانية نهائية، بعد تلقي الأوراق البحثية كاملة”.
يُذكر أن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، قبل أن تضاف إليه كلمة “المعاصر” في دورته الـ 23، كان من أبرز المهرجانات المسرحية في العالم العربي، إلى جانب مهرجاني دمشق وقرطاج.
وقد انطلقت الدورة الأولى من المهرجان عام 1988، واستمر في موعده السنوي حتى توقف عام 2011 مع الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي شهدتها مصر. واحتل مكانة عالمية كبيرة طوال 22 عاما، مستقطبا عروضا تجريبية لمخرجين وفرق مسرحية من ست قارات حفّز العديد منها المخرجين العرب على تعميق رؤاهم ومقارباتهم، وإطلاق العنان لمخيلاتهم ومغامراتهم الإبداعية.
وعلى صعيد الثقافة المسرحية نشر المهرجان ترجمات للعشرات من الكتب العالمية حول نظريات المسرح وتقنياته وتجاربه، واستضاف كبار المسرحيين من الغرب والشرق في لجانه التحكيمية، وعقد ندوات متخصصة، ومناقشات للعروض المشاركة، وورشات تدريبية، وقراءات مسرحية، وغيرها من الأنشطة الأخرى ذات الصلة.

15